المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد العالي زواغي  Headshot

محاولات مستمرة لاختراق الوحدة المذهبية والفكرية للجزائريين ومختصون يحذرون ويحددون آليات المواجهة والحماية.

تم النشر: تم التحديث:

باتت قطاعات واسعة من الجزائريين تعتقد وجود مؤامرة حقيقية تهدد وحدتهم المذهبية السُّنية المالكية، التي تمسكوا بها منذ قرون طويلة وأسهمت بشكل كبير في حماية البلاد من التشظي والفُرقة والانسلاخ، وهو اعتقاد غذته سلسلة من العمليات الناجحة التي نفذتها قوى الأمن الجزائرية ضد جماعات سرية تقوم بممارسة طقوس دينية غريبة على المجتمع الجزائري وعاداته وتقاليده، وتعمل في السر على استقطاب أتباع جدد من مختلف الشرائح والمستويات الاجتماعية والثقافية، زيادة على جمع الأموال وصبها في حسابات مشبوهة توجد في بنوك أجنبية خارج البلاد، أشهرها تلك العمليات التي تمت خلال الأشهر الأخيرة، وأثمرت تفكيك العديد من الجماعات المنتمية إلى الطائفة الأحمدية من طرف مصالح الأمن في الكثير من الولايات (المحافظات).

في حين تقول تقارير رسمية إن العديد من أصحاب الفكر التكفيري والأحمدي والشيعي والتنصيري، يُمَوِّهُون على نشاطاتهم بتأسيس جمعيات ذات طابع ثقافي ورياضي وخيري لبث سمومها، حيث تم مؤخراً اكتشاف جمعية ثقافية مشبوهة تحمل اسم الكاتب والروائي الجزائري الراحل "كاتب ياسين"، إلا أنها في الأصل تعمل على نشر الأفكار التكفيرية، بعد أن ثبت ارتباطها المنهجي بجماعة متمركزة في مدينة دماج اليمنية؛ ما دفع وزارة الشؤون الدينية والأوقاف إلى إصدار تحذيرات صريحة من خطورة الوضع، وواجب وقف ما سمته الاختراق الطائفي والمذهبي.

الخطر داهم والتعبئة ضرورية
يرى كثيرون أن الجزائر في مواجهة مباشرة مع عقائد وملل فاسدة تستهدف وحدتها المذهبية ومرجعيتها الدينية واستقرارها الأمني، كاستراتيجية جديدة لزرع الفوضى فيها وتخريبها، ضمن عمل استخباراتي محكم، بعد فشل التهديد الإرهابي الداخلي والخارجي المستورد، وتشير العديد من المراجع والتقارير الرسمية إلى تنوع الاختراقات الطائفية والعقدية التي باتت تستهدف المجتمع الجزائري.

فبعدما كانت عمليات التنصير الممنهجة، خصوصاً في منطقة القبائل، تتصدر عناوين الجرائد والخطب المسجدية خلال العشرين سنة الماضية، وتموج بها أحاديث الجزائريين في مجالسهم، جاء الدور خلال السنوات الأخيرة على الفكر التكفيري وبروز طوائف ضالة لم يكن مسموعاً بها من قبل، حتى باتت تتمدد في سرية وتحاول كسب مريدين وأتباع جدد لتتقوى عددياً ومالياً.

وأبرز هذه الطوائف حالياً الشيعة والأحمدية، وهو ما جعل وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري محمد عيسى، يدق ناقوس الخطر ويستنهض الهمم؛ من أجل التصدي لهذه الطوائف التي تحركها أيادٍ خارجية ضمن عمل منظم تشرف عليه استخبارات بعض الدول ومراكز دراسات أجنبية لا تريد الخير للجزائر وتهدف إلى ضرب استقرارها.

واعتبر أن الجزائر تتعرض لاختراق طائفي متعدد وغير مسبوق، وأن هناك إرادة لإدخال طوائف غير معروفة من قِبل الجزائريين، خصوصاً الطائفة الأحمدية التي باتت وسائل الإعلام تركز عليها بكثافة، مع أنها ليست وحدها التي تشكل تهديداً، معترِفاً بوجود محاولات حثيثة لتقوية المذهب الشيعي والتنصير الذي يستهدف نشر المسيحية البروتستانتية، مؤكداً أن هذا التبشير يُحسن التخفي وسجل خطوات خطيرة في عمق الجزائر.

ودعا وزير الشؤون الدينية إلى تعبئة المواطنين والنخبة والإعلاميين والأئمة، وضرورة الانتباه إلى ما يصدر عن مراكز التفكير الغربية ووسائل إعلامهم التي تريد إسقاط الجزائر في جحيم الطائفية وضرب استقرار البلاد باستهداف مرجعيتها الدينية، على اعتبار أنها قلعة من قلاع الإسلام الحصينة، داعياً إلى تعاون كل الوزارات المعنية بالملف؛ من أجل التصدي لمثل هذه الاختراقات.

وكانت مصالح الأمن الجزائرية قد ألقت القبض على مجموعة من الأشخاص المنتمين إلى الطائفة الأحمدية في شرق ووسط البلاد، حيث أظهرت التحقيقات أن هذه الجماعة تستغل فيلات وبيوتاً بعيدة عن الأنظار وأعين مصالح الأمن لممارسة طقوسها ونشاطاتها. والأخطر من ذلك، أن التحقيقات أثبتت أن أفراد هذه الجماعة يتلقون الأوامر والتعليمات من قيادات جهوية ودولية عن طريق الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي؛ من أجل جمع الأموال والتبرعات من المتعاطفين معهم لصبِّها في حسابات خاصة بهذه الجماعات في الهند وباكستان، والعمل على تحويلها لبناء دور العبادة ونشر دعوتهم الفاسدة.

أما المختص في الفرق والجماعات الإعلامي عيسى جرادي، فيُعدِّد المذاهب والملل التي تحاول غزو الجزائريين وإفساد عقيدتهم بالقول: "الشيعة، والسلفية المتنطعة، والطرقية المخرِّفة، والأحمدية، ونضيف إليها النصرانية، والماسونية، وعبدة الشيطان، هي عناوين ومتكآت لغزو مذهبي وديني أيديولوجي يتمدد في فراغنا -بتعبير الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله)- فالشيعة دعوة لدين جديد، دين له ما يميزه عقيدة وشريعة وخلق، والسلفية -بطبيعتها الظاهرية- محاولة إقصاء مذهبية تستهدف موروثنا من مذهب مالك، كأن الإمام مالك -رحمه الله- قد استقى من منبع آخر غير الكتاب والسُنة الصحيحة! وهكذا نرى اليوم نِحلاً سخيفة تتسلل إلى الجزائر لتجد من يصغي إليها ومن يعتنقها ومن يدعو إليها".

ويُحَمّل عيسى جرادي مسؤولية هذا الوضع المتفاقم لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، رغم تصريحات مسؤوليها بشأن القضية، فيقول: "الوزارة تقف متفرجة كأن الأمر لا يعنيها! فلا شيعة تنخر من الداخل وتتسلل في صمت، ولا سلفية تشن حرباً خرقاء على المذاهب الإسلامية لتبشر بسُنّة أغلبها موضوع أو مطعون في صحته، ولا طرقية تتقاطع في طقوسها مع عبّاد القبور والأموات من الشيعة!".

كما أن المجلس الإسلامي الأعلى -بحسبه- مسؤول أيضاً ومطالَب بوقف هذا الاختراق الطائفي والعقدي الذي يستهدف الجزائر، فبقدر ما تهجم الصليبية لتقتطع حصتها من هذا الصيد السهل، فإن المجلس مهموم بقضايا هامشية -إن وُجدت أصلاً- فلا هو يلتفت إلى الثغرات التي تنفذ منها النصرانية الإنجيلية -بصفة خاصة- ليسُدها، ولا هو يعلن التعبئة العامة ضد من يفسد الدين باسم الدين!

ويضيف المتحدث: "كل دفاعاتنا التي نتمترس خلفها، بعض اللغط الرسمي وبعض الأصوات المحتشمة التي تحثّ على التمسك بمرجعيتنا الدينية التي كانت في الماضي، لم تعد كذلك الآن".

من جهته، يرى الباحث الدكتور بومدين بوزيد أن تزايد الاهتمام بمسألة الطائفية في الجزائر مهم جداً، لكن مع ذلك يجب الحذر من المبالغة في طريقة تناول هذا الموضوع وتهويله بصورة توحي بأن الجزائر صارت مقسمة إلى طوائف، مع أن الأمر يتعلق فقط ببضعة أشخاص اعتنقوا هذه الأفكار الدخيلة.

جذور الاختراق وآليات التصدي
عن جذور هذا التهافت الطائفي والعقدي الذي يحاول اختراق الوحدة المذهبية المتماسكة للجزائريين، يرى الإعلامي المختص في الفرق والجماعات الدينية عيسى جرادي، أن قصة هذا الاختراق لم تبدأ اليوم؛ بل تعتبر قديمة لكنها تتجدد، وفي كل مرة ترتدي ثوباً مختلفاً، إلا أن مربط الفرس يكمن في أن هدفها واحد، وهو تفكيك بنية المجتمع الجزائري. وللأسف، فإن الجزائريين -بحسبه- لا يملكون الحصانة الكافية لصد هذه الهجمات، كما أن السلطة منشغلة بأمور الحكم وقلّما تلتفت إلى هذا الأمر، وهو ما يقود إلى القول بأن المستقبل مفتوح على كل الاحتمالات، حتى الأسوأ منها.

ويضيف عيسى جرادي في حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي": "نحن في الجزائر لا نمتلك حصانة راسخة ضد الأفكار الوافدة، فحتى رواية ورش الشائعة في عموم شمال إفريقيا تكاد تختفي؛ لأن أيدياً تسحب مصاحفها من المساجد لتحل محلها رواية حفص، رغم أن كلتا القراءتين صحيحة".

لذلك، يدعو المتحدث الجزائريين إلى الحفاظ على إرثهم الديني قبل أن يتلاشى ويفقدوا بفقدانه جزءاً من هويتهم الدينية والحضارية والتاريخية التي حمتهم من "السلخ والمسخ" في الماضي، لكنها اليوم بحاجة ماسة إلى من يحميها.

ولأن وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، باتت شبيهة بحصان طروادة الذي تلج من خلاله هذه النحل والملل الضالة إلى المجتمع الجزائري، خصوصاً أن الأشخاص المتورطين صرحوا بأن القنوات الفضائية ومواقع التواصل كانت نقطة البداية لاعتناقهم أفكار الطوائف والنحل- ينبه الدكتور نورالدين هميسي في تحليله لأسباب تغلغل هذه الطوائف والعقائد، إلى ضرورة الانتباه إلى حجم التحوّل الهائل في بنية الإعلام.

فهناك اتجاه متزايد أكثر فأكثر نحو تفتت كل أشكال السيطرة على التدفق الإعلامي الجماهيري، خصوصاً لما يتعلق الأمر بالإعلام الجديد الذي خلق حرية غير مسبوقة في نشر الأفكار وحفّز شكلاً جديداً من الدعاية الدينية، ليس فقط بين المذاهب الإسلامية؛ بل بين كل الديانات، وهذا تحدٍّ أساسي أمام المنظومات العقائدية المحلية، فعبر شبكات فيسبوك وتويتر ويوتيوب، تنتشر الآن الكثير من الصفحات والحسابات المشكوك فيها التي تحاول نشر أفكار دخيلة.

والمشكلة أن الكثير من الجماهير غير الواعية وذات التدين الشعبي المتسم بالبساطة والاختزال، لا تدرك طبيعة الفروق بين المذاهب والعقائد، وتنساق إلى مثل هذه المحتويات وسط ظروف استخدام مُشخصنَة لا تخضع لرقابة صارمة؛ بل سيكون من الصعب وشبه المستحيل فرض رقابة كلية عليها، لا سيما أن شبكات التواصل الاجتماعي تعتبر وسائط بالغة الخصوصية، وتقع تحت وطأة نمط مختلف من التشريع الذي يحفظ للمستخدم حقّه في حماية حريته في الانتقاء والتعرّض، وهذا الوضع مختلف كلية عن ذلك المتعلق بالقنوات التليفزيونية.

ويذهب الباحث الدكتور بومدين بوزيد في هذا الطرح، حيث يقول إن الحريات مضمونة في مواثيق وقوانين الدولة الجزائرية، لكن الخطورة ليس في اعتناق أفكار دخيلة، وإنما في تحول الجماعات التي تعتنق هذه الأفكار إلى طائفة مغلقة تمارس شعائر سرية وتكفر المسلمين، داعياً إلى احترام الحريات والقوانين ومراقبة وتنظيم الجمعيات الدينية التي تروج لأفكار لا تتماشى مع مرجعية الجزائريين.

وعن الحلول لمواجهة هذا الغزو الطائفي من خلال الإعلام، يقول الدكتور نور الدين هميسي لـ"هافينغتون بوست عربي": "أعتقد أن العقيدة المحلية في الجزائر أو في غيرها ستجد نفسها أمام مفارقة: فضاء مفتوح أشبه بالسوق الحرة للأفكار، ومواطن ذس تكوين ديني هش تتشابه عليه المذاهب، لذلك هناك حلان لا ثالث لهما: إما المواجهة العقلانية لهذا التدفق للأفكار الدخيلة من خلال تنشيط منظومات إعلامية تتولى الدفاع عن العقيدة المحلية وبيان ضلالة الوافد من الأفكار، وإما باللجوء إلى الأساليب الكلاسيكية المتمحورة حول الحظر والتعتيم، وهذا الحل فاشل تقنياً وأخلاقياً".

أما الإعلامي المختص في الجماعات والفرق عيسى جرادي، فيدعو إلى الإسراع في تنصيب مفتي الجمهورية؛ لقطع الطريق أمام الفتاوى المستوردة التي يستقيها الجزائريون من مختلف الفضائيات، ويقول: "إن بلداً يفتي فيه الجميع بداعي أن الدولة لم تُسَمِّ عالماً رصيناً راسخاً موصولاً بتراثنا الديني واحتياجات عصرنا ليكون مفتي الجمهورية، يصبح مشروعاً -لدى قطاع من الناس- استفتاء الفضائيات، وبذلك يتشتت الجزائري الحائر بين الرأي ونقيضه".

من جهة أخرى، أجمع عدد من الأئمة الجزائريين، الذين استطلعت "هافينغتون بوست عربي" آراءهم حول الموضوع، على أهمية التأطير للحفاظ على المرجعية الدينية المالكية للشعب الجزائري، واعتبروا المرجعية ليست شعاراً ولا كلمات تُرَدَّد؛ بل تحتاج إلى عمل ملموس وإلى استراتيجية محكمة، في ظل ما يشهده العالم من انفتاح عن طريق القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، وأثرها الواضح في نشر الأفكار الهدامة، خصوصاً أن الجزائريين متعطشون لمعرفة الآخر، فيجدون أمامهم من خلال هذه الوسائل جماعات مختلفة تخاطبهم، سواء تلك التي تنادي بالخط الإسلامي السني أو الخط الشيعي أو التي لها أبعاد هدامة.

والمفارقة أنه أمام كل هذا التدفق، لا توجد قناة توجه الجزائريين نحو مرجعيتهم الدينية المالكية الأصيلة، ولا حتى برامج تعليمية تربطهم بمذهبهم وترافقهم من المدرسة إلى ما بعد التدرج.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.