المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد العالي زواغي  Headshot

#الفشل_علمني | تعلم كيف تحقق طموحاتك من لا شيء

تم النشر: تم التحديث:

ليست الغاية من كتابتي لهذا المقال أن أتحدث عن نفسي وأزهو بها، بقدر ما هي محاولة لنقل تجربتي في تحقيق بعض أحلامي انطلاقاً من لا شيء، لعل هذه التجربة تفيد أولئك الذين يعيشون نفس الظروف التي عشتها، وتلهمهم لتخطي وتذليل الصعوبات التي يواجهونها، ففي النهاية، كما يقول أهل التنمية البشرية: "ليس هناك فاشل وناجح، هناك تجربة ونتيجة"، والحاذق من يستأنس بتجارب الآخرين ويستفيد منها، ليختزل الوقت ويتجاوز العقبات بمرونة، وليعزز كذلك قدراته وملكاته التي تعتبر هي الأساس والأصل.

تخرجت في الجامعة تحدوني رغبة كبيرة في تحقيق النجاح الشخصي، وأحلام غضة تتراقص آملاً ونشوة تروم رسم مستقبل جميل وحافل، لكن سرعان ما بدأ اليأس يتسرب خلسة إلى نفسي، بعد توالي السنين وعجزي عن الحصول على عمل رغم الجهود التي بذلتها، وتراكمت الخيبة حتى صفعتني كلمات قرأتها في كتاب للتنمية البشرية، جعلتني أستفيق حقيقة من التشتت والتخبط الذي كنت أحياه، وملخص تلك الكلمات يقول: "إذا أردت أن تحقق ذاتك وتبني نجاحاً على صعيد العمل يمكنك من زيادة دخلك، فابحث في داخلك عن قدراتك وما الذي تتقنه وتستطيع فعله برغبة وإتقان، أكثر من أي شيء آخر".

كان ذلك بمثابة ضوء أنار لي عتمة تفكيري، فالتفت إلى أهدافي الحقيقية، وبدأت في اكتشاف قدراتي وما أستطيع فعله بجدارة حتى أتمكن من وضع حياتي على السكة الصحيحة، وأنطلق في حصد ثمار قدراتي التي أتمتع بها وتميزني عن غيري.

فكرت في ما أتمتع به من قدرات، فما وجدت أفضل من ملكة حبانيها الله منذ نعومة أظفاري، وهي الكتابة والتعبير، فهذه الملكة صاحبتني منذ كنت صبياً صغيراً متكلماً، ثم بدأت تتبلور من خلال خربشاتي على جدران البيت، أما في المدرسة فقد تفجرت أكثر وصرت أحصد أعلى العلامات في مادة التعبير الكتابي والشفهي، وهو ما مكنني من الكتابة في الصحف الجزائرية منذ بلوغي العاشرة من عمري.

بدأت ألملم شتات تفكيري لاكتشاف نقاط القوة بداخلي، الكتابة أقوى ملكاتي، والصحافة كانت تخصصي في الجامعة عن رغبة شديدة، هذه الحرفة التي أتقنها أفضل من غيرها، لذلك يتوجب عليّ استغلال هذه القدرة وأصقلها وأشحذها حتى أحقق ذاتي وأنجح في حياتي.

حصرت هدفي في تحقيق نجاح شخصي قائم على الكتابة، ثم تساءلت عن الطريقة التي تمكنني من نشر كتاباتي، موازاة مع نشاط آخر لا يقل أهمية ويساهم في تنمية ملكة الكتابة، وهو القراءة ومطالعة الكتب والجرائد، فانكببت عليها مقبلاً غير مدبر، وحدث مرة أن اطلعت على مجلة محلية، فسارعت إلى مراسلتها، وكلفتني المسؤولة عنها بكتابة استطلاعات لصفحة المجتمع، وكانت الصفحة الوحيدة في المجلة التي لا تحتوي على أخبار السياسة وإنجازات المسؤولين الحقيقية والكاذبة، فكتبت مواضيع غير مألوفة وجديدة، شدت انتباه القراء الذين سئموا من الأخبار والتقارير التي تمجد المسؤولين ويتم حشوها حشوا بين ثنايا المجلة.

أحسست أن تلك المجلة لا تشبع نهمي، خصوصاً أنها كانت توزع في دائرة ضيقة تشمل المسؤولين وموظفي الإدارات وعائلاتهم، فاشتغلت على إيجاد عمل كمراسل صحفي مع جريدة وطنية، ووصلت لمبتغاي عندما وجدت واحدة، أمطرتها بوابل من الأخبار والتقارير والاستطلاعات التي تنقل صورة عن الولاية ومستجداتها، وحياة الناس ومشاكلهم والعقبات التي يعيشونها، ودام الحال لمدة فاقت الثمانية أشهر، لم أقبض قرشاً واحداً من الجريدة، في حين كنت أبذل كل مصروفي الشخصي الذي يتكرم به عليّ والدي في التنقل من أجل هذه الجريدة التي استغلتني أيما استغلال، فهاتفت رئيس التحرير حول الموضوع، لكنه تهرب وأرغى وأزبد فقررت أن أتوقف.

في تلك الأثناء، تشكلت لديّ تجربة معتبرة وثرية، وصرت ضليعاً بعالم الصحافة المحلية، وتعرفت على أهلها والجرائد التي يعملون لصالحها، وهو ما مكني من العثور على عنوان جريدة أخرى لأتخذها مظلة لعملي الصحفي.

ومن تجربة الصحافة المكتوبة قفزت خطوة أخرى باتجاه الإذاعة، حيث تقدمت لمسؤوليها بمشروع برنامج يهتم بأخبار التكنولوجيا والعلوم، ويقدم شرحاً للمفاهيم المعقدة في شتى المجالات، سمّيته "ينابيع المعرفة"، فتم قبولي كمتعاون دون تأمين ولا أجر شهري، فقبلت خوض المغامرة، وكنت أسجل البرنامج الذي مدته نصف ساعة، كل يوم سبت ليتم بثه يوم الخميس، واستمر بث هذا البرنامج لمدة فاقت العام، قبل أن أنسحب بعد أن وجدت الأفق مسدوداً بفعل مضايقات من أحد النافذين في الإذاعة، لكن على العموم كانت التجربة مفيدة اطلعت من خلالها على خبايا العمل الإذاعي.

بعد كل ما حققته، اتسعت زاوية النظر عندي، فقررت التوجه إلى الكتابة في فضاءات أرحب، لأني سئمت الكتابة عن قطع الطرق ومشاكل الماء والكهرباء وحوادث المرور، وكلها مواضيع تشكل المادة الأساسية للصحف الجزائرية، ولا تعبر عن اهتماماتي الحقيقية وهي الكتابة في مواضيع أعمق بكثير، فبدأت أكتب عن الشؤون العربية والعالمية، وأرسل مقالاتي إلى مختلف المواقع والصحف العربية، زيادة على طلبات العمل المرفوقة بسيرتي الذاتية، وتمكنت من العمل مراسلاً للعديد من المواقع.

هكذا، كان الحال معي، اكتشفت أهم طاقة بداخلي يمكنها أن تحقق ذاتي وطموحاتي، واستغللتها بإيجابية حتى أصل إلى مبتغاي وأهدافي، وإن لم أحقق من خلالها شهرة كبيرة، إلا أني سعيد بأنني أحيا كاتباً وباحثاً عن الحقيقة، سعيد لأني اكتشفت ذاتي واستطعت أن أشبع رغبتي في التعبير عن ما أشعر به وما أؤمن به، وسعيد أيضاً لأني أحيى كما أريد أنا، وليس كما يريد الآخرون، وهي تجربة أنقلها بغرض بريء حتى أشحذ همم الآخرين وأساعدهم في تحقيق ذواتهم وطموحاتهم انطلاقاً من اللا شيء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.