المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد العالي زواغي  Headshot

تخيَّروا لأطفالكم الرضاعة الإعلامية المناسبة!

تم النشر: تم التحديث:

يعتبر التلفزيون (ومختلف وسائل الإعلام عموماً)، بمثابة رضاعة ثانية (baby bottle) للأطفال، فمنها يستقون المعارف الجديدة والخبرات، ويكتسبون السلوكيات والأفكار الدخيلة على ثقافتنا الأصيلة، وأهمها الانحراف والعنف؛ لذلك فمشاهد وعبارات العنف تفسد وتعكر لذة الشرب من الرضّاعة الإعلامية؛ لأن التغذي على هذه المشاهد أخطر ما يلتصق بذهن الطفل ويطبع شخصيته لاحقاً، خصوصاً من خلال أفلام الكارتون المغرية والجذابة، التي تلقى رواجاً لدى الأطفال في جميع بلدان العالم.

من منا لم يفتن يوماً بأفلام الكارتون أو الرسوم المتحركة، وتابعها بشغف واستمتع بقصصها وأبطالها، وربما فينا من بلغ من العمر عتياً وما زال متابعاً لها ومقبلاً على مشاهدتها بانتظام، لكن ماذا لو عرفنا أن الهدف من وراء هذه الرسوم أكبر من مجرد إمتاع وترفيه، بل أكثر من ذلك بكثير، فهي وسيلة للسيطرة على عقول الأطفال وتوجيههم عن طريق غرس عقائد وأفكار منافية لتلك التي بمجتمعاتهم، خصوصاً بعد أن سيطرت جهات معادية لديننا وقيمنا على شركات إنتاج أفلام الكارتون، فصارت تتلاعب بمشاعر الأطفال وعقولهم عن طريق رسوم متحركة جذابة ومغرية، وهي فعلاً بمثابة السم الذي يدس في العسل، والمربي الذي يساهم في تربية الأطفال وتشكيل شخصياتهم ونحتها، جنباً إلى جنب مع الوالدين والمدرسة وبقية مؤسسات المجتمع، مما يتطلب الحذر من محتواها.

لماذا الأطفال؟
ينظر القائمون على وسائل الإعلام المؤدلجة والمخططون لاستراتيجيات التأثير التي تتبعها، إلى الأطفال على أنهم رهان كبير على المستقبل والحاضر، باعتبارهم شريحة يسهل تشكيلها بحسب الرغبات والأهداف، فبامتلاكهم والسيطرة على وعيهم والتحكم في ميولاتهم يمكن امتلاك المستقبل والسيطرة عليه، فالأطفال هم الغد القادم، وما يرسم هذا الغد هو نوعية التربية والتلقين التي نقدمها لهؤلاء الأطفال في الحاضر.

وكما قيل: مَن يملك الإعلام فإنه يملك كل شيء، فهناك تأثير شديد للآلة الإعلامية، حتى على الأحلام والمنامات، والمثال أن بعض الأطفال يعانون من القلق الذي تسببه أفلام الرعب وينهضون مفزوعين من منامهم جراء رؤية كوابيس من ذلك القبيل.

لا أحد ينكر خطر المواد التي تبثها وسائل الإعلام على الأطفال، فهي أثرت في سلوكهم، وزودتهم بثقافات متعددة سلبياتها أكثر من إيجابياتها، إن لم نقُل إنها سموم تكتسي ثوباً أنيقاً تتغذَّي عليها عقول أطفالنا، فقد أظهرت الكثير من الدراسات أن الأطفال في سنواتهم الأولى ينشأون وهم ينظرون ويشاهدون أكثر بكثير مما يقولون أو يفكرون، وهذا ما يساهم في طبع الصور والشخصيات والحركات والألفاظ في عقلهم الباطن كقدوة يرغبون بتقليدها، وما إن يبدأ هؤلاء الأطفال بالقدرة على الحركة أو الكلام أو التصرف، حتى نجد تلك الصور العالقة في ذهنهم باتت تؤثر في تصرفاتهم.

وللأسف استغل أعداؤنا هذه النقطة جيداً واستخدموها وسيلة لغزو أفكار أطفالنا عن طريق هذه الأفلام الكارتونية التي ضمنوا داخلها جميع أفكارهم المغرضة، وقاصرٌ نظره من يقول إن هذه الأفلام لا تؤثر على سلوك أطفالنا؛ لأنها للترفيه فقط، فالطفل لا يملك رقابة ذاتية على وعيه وإدراكه وشعوره، وعمره لا يسمح له بالتمييز بين الطيب والخبيث، والقبيح والجميل إلا في حدود يسيرة، يضاف إلى ذلك أن مؤثرات الصوت والصورة والحركة التي يراها الطفل أمامه في الرسوم المتحركة تشده وتنقله إلى عالم آخر غير واقعي، فيسهل تأثره بهذه الأفلام إلى حد كبير.

استراتيجيات التأثير وتشكيل السلوك

معلوم أن هناك استراتيجيات كثيرة وأهدافاً كبيرة من وراء الرسوم المتحركة، فعن طريق نقل أخلاق ونمط حياة البيئات الأخرى إلى مجتمعاتنا، ونقل قيم جديدة وتقاليد غريبة، يتم التصادم بين القديم والحديث، وخلخلة نسق القيم في عقول الأطفال من خلال المفاهيم الأجنبية التي يشاهدونها، كما أن مشاهدة العنف في أفلام الكارتون تثير العنف في سلوك بعض الأطفال، وتكرار المشاهد يؤدي إلى تبلد الإحساس بالخطر وإلى قبول العنف كوسيلة استجابة تلقائية لمواجهة بعض مواقف الصراعات وممارسة السلوك العنيف، ويؤدي ذلك إلى اكتساب الأطفال سلوكيات عدوانية مخيفة؛ إذ إن تكرار أعمال العنف الجسمانية والأدوار التي تتصل بالجريمة، والأفعال ضد القانون، يؤدي إلى انحراف الأطفال.

كما تهدف هذه المسلسلات والأفلام إلى صناعة قدوة معاكسة لما نطمح إليه في تربية أطفالنا على العلم والمعرفة والإنجاز الحضاري للمجتمع، كنجوم الفن والغناء والمصارعة العنيفة، والتركيز عليهم بشكل مكثف ومركز في وسائل الإعلام، على حساب العلماء والمبدعين في صنوف المعرفة والنشاطات البناءة، بل أكثر من ذلك عندما يتم تحريف القدوة بإحلال الأبطال الأسطوريين بدلاً عن العلماء والأئمة المصلحين والقادة الفاتحين، فتجد الأطفال يقلدون "سبايدرمان" و"باتمان" و"سوبرمان" ونحو ذلك من الشخصيات الوهمية التي لا وجود لها، فتضيع القدوة الصحيحة في خضم القدوة الخيالية المجردة من أي بُعد انتمائي، زيادة على ترويج أفلام أطفال تحتوي على مشاهد وإيحاءات جنسية تضر بهم، مع ترويج إعلانات تعلمهم ثقافة الجشع والتصرفات الاستهلاكية من الصغر.

والأخطر أن بعض أفلام الكارتون تؤثر في مشاعر الطفل تجاه دينه وتوجهه إلى التسليم ببعض الأفكار المغلوطة، كتشويه صورة المتدينين، ويظهر ذلك جلياً كمثال بسيط في المسلسل الكارتوني الشهير "باباي" الذي يصور رجلين أحدهما طيب وخلوق والآخر شرير، بحيث يتم تصوير ذلك الشرير على صورة رجل ملتحٍ، مع العلم أن اللحية رمز من رموز الدين الإسلامي بصفة خاصة، فهم يصورون هذا الملتحي على أنه شرير، مختطف، سارق، يقوم بالتفجير ويلاحق النساء، فلماذا صور الرجل الشرير بلحية؟ ولماذا تم توظيف أحد رموز الدين الإسلامي بهذه الصورة؟ ولماذا لم يجعل منتجو هذا المسلسل وغيره، ذلك الشرير حليقاً والطيب ملتحياً؟ الكثير من التساؤلات يجب أن تطرح.

وفي مثال آخر، فيلم "علاء الدين"؛ حيث تتنكر ابنة الخليفة العربي وتسير في السوق ثم ترى فتاة مسكينة تنظر إلى تفاحة فوق منضدة أحد البائعين، فتأخذها الشفقة وتمد يدها دون إذن البائع وتعطيها للفتاة، ولكن البائع الذي صور على هيئة فقيه حليق الشارب طويل اللحية واضعاً عمامة يمسك سيفاً ويريد قطع يد ابنة الخليفة قائلا: "هكذا نصنع بالسارق".

إن تصوير العرب والمسلمين بهذه الصورة من السذاجة والعنف تجنٍّ واضح عليهم وكره أعمى لهم، كما أنها طريقة تنفر الأطفال من الإسلام وتصوره بأنه دين الوحشية والقسوة، كما لا نغفل عن الفكرة الأبرز والأكثر انتشاراً في أفلام الكارتون المعاصرة وهي فكرة السحر والقوة الخارقة التي يملكها الساحر، وكيف يمكنه التحكم في الكون والأشياء من حوله عن طريق كلمات وطلاسم يرددها، فلم يعد مستغرباً أن نسمع من أطفالنا كلمات لا معنى لها يرددها الطفل تقليداً لهذا الساحر أو البطل الذي يستخدم السحر.

خاتمة
في الحقيقة، هناك الكثير من الأمثلة التي لا يمكن لنا حصرها في هذه المقالة، وهناك أيضاً الكثير من الأهداف المبطنة التي تتضمنها أفلام الكارتون للإضرار بعقول أطفالنا بمرونة كبيرة وبشكل تراكمي، ولا يمكننا الإحاطة بها وفضحها كلها في هذه المقالة المقتضبة، لكن من نافلة القول أن نحذر الآباء من الخطر المدسوس فيما يشاهده أطفالهم من أفلام الكارتون وحمايتهم منها، فالواجب مراقبة ما يشاهده فلذات أكبادهم، واختيار المناسب منها وتسقيف الحجم الساعي للجلوس أمام التلفاز، في ظل هذا الكم الهائل من العنف الذي يحاصرنا أينما أدرنا وجوهنا، فبعض الدراسات أشارت إلى أن 74 % من برامج الكارتون التي يشاهدها الأطفال تؤدي إلى سلوك إجرامي، و43% منها مجرد خيال، ويتعزز هذا الطرح بزيادة ساعات المشاهدة، فأطفال العرب يقضون أسبوعياً 24 ساعة شتاء أمام التلفاز، و33 ساعة صيفاً؛ لذلك تخيَّروا لأطفالكم "رضاعات" جيدة، و"حليباً إعلامياً" ذا نوعية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.