المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد العالي زواغي  Headshot

التحالف الإسلامي ضد الإرهاب.. بمنظار الفلسفة المعاصرة

تم النشر: تم التحديث:

أعلنت المملكة العربية السعودية قبل أيام، عن تشكيل تحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب، وهي الخطوة التي خلفت زوبعة من التعليقات اختلفت ما بين مؤيدة بشدة لهذا التحالف على اعتبار أنه يهدف لمحاربة "كيان" لطالما تسبب في إراقة دماء غزيرة وجَلَب الدمار والخراب للمسلمين في مختلف مناحي الحياة. في حين انبرت تعليقات أخرى للتشكيك في جدية هذا التحالف وطبيعة الدور الذي سيلعبه مستقبلا، على اعتبار وجود اختلافات عميقة في أيديولوجيات وسياسات بعض الدول التي انضمت تحت لواء التحالف الإسلامي وتناقض عقيدتها العسكرية، زيادة على نأي دول أخرى عن الفكرة وإحجامها عن الانضمام للتحالف لأسباب مختلفة.

الحاصل أن الاختلاف في وجهات النظر موجود ومبرر، بحسب المنظار الذي يتم النظر من خلاله للقضية، لكننا في هذا المقام، سنحاول تفكيك ماهية هذا التحالف من خلال منظار فلسفي محايد، مع استعمال أربع عدسات تمثل التيارات الفلسفية المعاصرة الأربعة وهي الوجودية، المادية الجدلية، البراغماتية والتحليلية.

لننظر أولا للقضية من منظور الفلسفة الوجودية، هل إرادة تشكيل التحالف الإسلامي ضد الإرهاب كانت حرة وبدون تدخل أطراف خارجية، كالقوى الغربية مثلا، التي فرضت الفكرة وسطرت أهداف التحالف المستقبلية، وهل سيكون تحرك التحالف وفعله بناء على إيعاز من هذه القوى، أم انعكاسا لإرادة دول التحالف ومشيئتها، وقرارا أصيلا لها ولنفسها، كما أن التساؤل أيضا الذي يجب أن يُطرح هل سيكون زمام المبادرة والقيادة والسيطرة مقروناً بالدولة المؤسسة (السعودية) أم سيكون بمشاركة جميع الدول وبدون استئثار أي دولة بالقرار، إن إثارة مثل هذه الأسئلة مهم جدا لمعرفة طبيعة القرارات التي سيتخذها التحالف مستقبلا خلال تنفيذه لمهامه، فإذا كان الأمر كذلك، أي أن تأسيس التحالف كان انعكاسا لإرادة الدول المشاركة ومن صميم ذاتها التي تريد لنفسها وتقرر لنفسها، فهذا معناه أنها ستعمل وتلتزم بتحقيق هذا التحالف بكل قوتها، وإذا كان العكس، فإن فكرة إنشاء الحلف ستفقد قيمتها من حيث دلالتها على حرية الدول المشاركة فيه ومسؤوليتها الخلقية إزاءها.

أما إذا نظرنا إلى التحالف بنظرة مادية جدلية، فحري أن نسأل لماذا لم يُعلن عن تأسيس التحالف من قبل حتى هذا الوقت بالذات، هل هناك عوامل وعوائق مادية تسببت في ذلك، كالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى ربما الإثنية التي يتشكل منها النسيج الإسلامي، أو غيرها من الظروف التي عرفها تاريخ المنطقة الإسلامية عبر مختلف المراحل، لذلك يمكن القول بأن تحقيق التحالف الإسلامي يقتضي تجاوز هذه العوائق التي تسببت في تأخر الإعلان عن تشكيل تحالف إسلامي وإزالتها من جذورها، لأن بقاءها يعني أن الدول المشاركة افتعلت التحالف فقط لظروف طارئة وسرعان ما ينهار بعودة الأسباب التي أعاقت تشكيله من قبل.

وإذا سلكنا مسلك البراغماتية، فمحتم علينا أن نعرف إن كان للتحالف الإسلامي أهداف مسطرة يسعى إليها، وما هي هذه الأهداف؟ هل هي محاربة الإرهاب فقط.. أم تتعدى ذلك؟ وما هي المنفعة التي ستعود على دول الحلف؟ هل ستتخلص فعلا من الإرهاب الذي يبدو ظاهريا أنه الهدف والغاية الحقيقة لوجود التحالف؟ وإذا كان ذلك ممكنا على أرض الواقع، فإنشاء التحالف خطوة ناجحة لأنها مقيدة بهدف يمكن تحقيقه ويقود إلى بسط الأمن في ربوع العالم الإسلامي الذي يعبث به الإرهاب بقسوة ووحشية، أما إذا كان التحالف لا يملك رؤية واضحة بشأن أهدافه ولا يملك الإمكانيات ولا الأفكار ولا الإستراتيجية التي تتيح له أداء مهمته بفعالية واقتدار، فلا طائل من إنشائه ما دام أنه غير قادر على استئصال الإرهاب وتأمين شعوب وبلدان المنطقة.

أما من منظور الفلسفة التحليلية، فما يلفت انتباهنا هو لفظتا التحالف الإسلامي والإرهاب، فماذا يعني التحالف الإسلامي؟ لأنه لفظ لا يسمي الأشياء بذواتها وهو أيضا مصطلح فضفاض، وحري بنا أن نسأل من هي الدول التي يمكن أن تشكل هذا التحالف؟ ولماذا يتم رفض أخرى؟ رغم أنها توصف بالإسلامية، كذلك إذا انتقلنا إلى لفظ الإرهاب، فهو أيضا مفهوم مطاطي، وغير واضح، من ذا الذي يمكن أن نطلق عليه هذا اللفظ؟ هل الإرهاب الذي سيحاربه التحالف الإسلامي محصور فقط في تنظيم الدولة أم يتعداه إلى جماعات أخرى توصف بأنها إرهابية في العرف الدولي والإسلامي؟ ومن هي بالذات هذه الجماعات؟ كل هذا يقودنا إلى ضرورة المطالبة بتوضيحات أكثر لإزالة أي غموض يكتنف فكرة إنشاء التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب، لأن ضبطها وتحديدها من شأنه أن يعزز الرغبة في الفعل ويغري دولاً أخرى بالانضمام إلى التحالف دون وجود تشكيك أو تخوف.

كانت هذه أربع زوايا فلسفية نظرنا من خلالها لفكرة التحالف الإسلامي ضد الإرهاب، وهي زوايا تتيح لنا النظر بعمق للفكرة وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع، كما أنها لا تتعارض فيما بينها وتجعلنا نقفز على النظرة السطحية التي يسوقها الإعلام، وإن كنا ننظر بإيجابية لفكرة وجود تحالف إسلامي بأتم معنى الكلمة، خصوصاً إذا وضع في حيز الفعل وتعدى الحرب على الإرهاب إلى التحالف ضد الفقر والتهميش والبطالة، وتحقيق الوحدة الإسلامية وفق مشروع مُمنهج وواضح المعالم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.