المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد العالي زواغي  Headshot

تاريخ لا تعرفه كل النساء

تم النشر: تم التحديث:

عرفت المرأة منذ فجر التاريخ الكثير من مظاهر الإذلال والإقصاء، وهو ما قلل من شأنها ووظيفتها في المجتمعات البشرية المتعاقبة، وحرمها من التمتع بإنسانيتها وتحقيق ذاتها ووجودها، خصوصاً أن تلك الممارسات كانت نابعة من نظرة متجذرة لدى الرجل مرتبطة بالكثير من الاعتقادات والخرافات الغريبة، لعل أبرزها كان تشكيك البعض، في حقب زمنية غابرة، في ماهية المرأة وجنسها، هل هي مخلوق بشري مثل الرجل، أم أنها كائن آخر وجنس مختلف؟

ففي اليونان القديمة، وفي فورة الحرية الفكرية والزخم الذي اتسمت به الحضارة الإنسانية، من خلال الازدهار والنماء الفكري غير المسبوق، بفضل أنوار المعرفة والفلسفة التي انتشرت مذاهبها ونظرياتها وأفكارها بكثرة لافتة، إلا أن ذلك لم يشفع للمرأة لتتبوأ مكانة محترمة في كل ذلك الكم الهائل من الأفكار والنظريات التي انتشرت بين الناس، حتى إنه يمكن القول بأن رؤى الكثير من الفلاسفة انحرفت أثناء توصيفها للنساء وكانت جد دونية، ومن بينها ما اختزلت دور المرأة داخل المجتمع في إنجاب الأطفال وإعدادهم وتكوينهم ليكونوا مستقبلاً مجرد محاربين يذودون عن الدولة ويحمون حماها، ولا يعرفون وظيفة غيرها، حتى إن أفلاطون مثلاً ذهب في سياق "مدينته الفاضلة" إلى اعتبار المرأة مُلْكَاً مشاعاً بين الرجال، وظيفتها إنجاب أكبر عدد من الأطفال الذين يُدفع بهم بعد إنجابهم إلى "دور حضانة" متخصصة لتعليمهم فنون الحرب والقتال.

وعلى شاكلته، فيلسوف عظيم آخر سلك نفس المنحى التحقيري في نظرته للمرأة، رغم أنه اشتهر بحكمته ومطارحاته في فلسفة الجمال، إنه "سقراط" الرجل الذي عُرف عنه كراهيته الشديدة للنساء، حتى إن الكثير من الروايات ذكرت أنه كان يمقت أمه، وكثيراً ما كان يردد عبارة "ليتني لم تلدني امرأة".

كل هذه النظرات الدونية للمرأة حفلت بها الحضارة اليونانية رغم أنها عرفت أنوار الحكمة وفتوحات العلم والمعرفة، التي لم تشفع للمرأة لكي ترتقي إلى مكانة محترمة ومرموقة في الترتيب الاجتماعي، أما إذا تحدثنا عن عصر الظلمات الذي أرخى سدوله على أوروبا لقرون طويلة، فإننا نكون بصدد الحديث عن أقصى أنواع الذل والظلم والاحتقار الذي شهده تاريخ النساء، إلى الحد الذي دفع بالكنيسة في القرن السادس عشر الميلادي إلى عقد اجتماع ضخم ضَمَّ كبار رجال الدين والوُجهاء من القساوسة وأساقفة الكنائس، لمناقشة موضوع طالما شغلهم وقَضَّ مَضَاجِعَهُمْ، وهو ضرورة الفصل في قضية جوهر المرأة وماهيتها، هل هي إنسان أم أنها جنس آخر؟ وخلص الاجتماع في الأخير إلى اعتبار المرأة "كائناً شيطانياً"؛ لذلك فقد عانت النساء الأوروبيات في تلك الحقبة المظلمة من الكثير من الممارسات الوحشية التي ارتكبت في حقهن من طرف الرجال، الذين كانوا يعتقدون أنه من واجبهم تقليص شرور النساء عن طريق ربطهن وتقييدهن بالأصفاد والأغلال.

وقبل هذا العصر بكثير، وفي شبه الجزيرة العربية، فقد انتشرت ظاهرة وأد البنات دون رحمة ولا شفقة، نتيجة لانتشار الاعتقاد بأن المرأة نحس وعار ونقيصة تلحق بوالدها أبد الدهر، أما من كُتبت لهن النجاة، فيتم حبسهن ومنعهن من العيش الكريم، وفوق ذلك تمارس عليهن كل أنواع التعذيب والاحتقار.

لكن من حسن حظ النساء أن أتى الإسلام وأشرقت أنواره على الأرض، فبفضله تغيرت الأوضاع وانقلبت الموازين؛ لأنه أنصفهن وصان كرامتهن، وساوى بينهن وبين الرجل في الحقوق والواجبات، وأعلى الإسلام من شأنها حتى إن الجنة صارت تحت أقدامهن، وأوصى بهن النبي صلى الله عليه وسلم خيراً، وضرب أروع الأمثلة في البر بهن ومعاملتهن بالحسنى، وما عرفت البشرية قط ديناً ولا عرفاً ولا قانوناً بشرياً أعطى للمرأة مكانة ورعاية مثلما أعطاها الإسلام للمرأة المسلمة، حتى إن الحديث في هذا الشأن يفيض ولا يمكن جمعه بالتفصيل في هذه الأسطر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.