المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زينب فاتحي Headshot

عام من الغربة مضى...!

تم النشر: تم التحديث:

أقف أمام المرآة لأتأملني، أتحسس ملامحي، أفتش عن شيءٍ لا أعرفه فيها، أحصي عدد المرات التي بكت وضحكت وسرحت وتأملت وصمتت وعبست وصرخت فيها هذه الملامح، أعد عدد الذين سقطوا منها سريعاً، وعدد الذين مروا فيها وزرعوا فيها وردةً أو قصيدة أو حتى دمعة، ثم باتوا هم جزءاً مطبوعاً فيها.
ياه كم كبرت، كم تغير شكل وجهي، وطريقة سردي في الكلام، حتى صوت ضحكتي تغيرت رنّتها، وعيناي البنيتان كحبة القهوة اللتان كانتا لا تجيدان سوى البكاء، كم كبرتا وزاد لمعان الثقة فيهما، حتى انعكاس ظل الحزن فيهما أصبح لونه أجمل، وأكثر تحرراً من ذي قبل!

لم أخسر شيئاً في حياتي، إلا وأتيحت لي مساحة أوسع في داخلي من الحرية..كل الأشياء التي خسرتها، الحب والإنجازات التي ما لبثت أن خطوتها حتى تخطتني والعمر الطويل منذ ولادته والأسماء التي تذكرتها ملء ذاكرتي فلم تتذكرني، وكل الأمور التي فاتتني ولم تكمل دهشتها وعظمتها في عيني.. كلها حين أضعتها فيّ؛ وجدتُني أكثر.

حين اتسع رصيد الخسارة في جيبي.. الحُب فيّ صار أكبر وأنبل، رُغم ضآلته فإنه كافٍ لأن يتوزع على الناس أجمعين بدلاً من شخص واحد يستنفده دفعةً واحدة، والعُمر الطويل أحَلتُ جفافه لورد يثير عبقاً أينما حلّ فيّ، والأسماء التي أتذكرها حصرت عددها في ذاكرتي وأوجزت الذكرى فقط لتلك التي تترك أثراً حلواً على لساني حين أحكيها..
والأمور الباقية، كل الأمور.. من أحقرها لأعظمها صارت تستفز الدهشة فيّ، وتُجبر عبادة التأمل في روحي أن تصحو وترتدي كل الصور والألوان، وتغدو أكثر روحانيةً وعذوبةً واتساعاً.

عندما أتذكر أني في عام واحد قد مررت بكل هذا، وأجمع كل الأحداث أمام عيني وأتأملها، وأنادي على كل الأسماء التي عبرتني ثم لا يستجيب أحد، فإني أُتخم بفوضى الذكريات وازدحامها، أيُعقل في سنةٍ واحدة تمر من عمرنا نكبر إلى هذا الحد؟!

ها هي الذكريات قد مرّت، والأيام انطوت على نفسها، وطوت جزءاً من أفكاري التي كانت تثقلني بها، وأخذت معها الكثير من دمعي الذي ما زالت معلقة رائحته بوسادتي، وحملت معها صدى ضحكاتي العالية، ونزواتي بين عيون الآخرين، والكثير الكثير من التفاصيل الصغيرة التي لا أدرك جمالها إلا الآن بعد أن انقضت وذهبت.. تفاصيل صنعتني، ورممتني، وملأت الأماكن الفارغة فيّ بألوانها، كابتسامة طفلٍ يستحيل أن أنسى بسمته التي قد أهداني إياها بعد قطعة نقود قد أودعتها بجيبه، ككلمة غزلية جميلة جاءتني بغتة من صديقتي وصنعت لي يومي آنذاك، كدعوة استثنائية و"غير اعتيادية" ألقت بها أمي لي بعد فعلٍ صالح قد قمت به، وكالكثير من الأشياء التي لن تسع حروفي هنا، لكنها حتماً بجمالها وسعت ملء قلبي، وتكللت بها ذاكرتي.

مرت هذه الذكريات، وعامها هذا يلوح لي ليلحق بها، وأنا أقف هنا على ناصيته، أكتب وأهذي وأودع، وأنتظر قدوم العام الجديد، وأنا أحمل بين يدي أماني وأحلاماً ودعوات علّقتها على انتظاري، وأودعتها عند الله، علّه يأتيني بها، ويمسح بها عني حزني وعني غبار الانتظار في روحي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.