المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زينب فاتحي Headshot

اعقلها.. وتوكّل

تم النشر: تم التحديث:

وجدت نفسي في الآونة الأخيرة أدور في فلك سؤالٍ واحد: "ماذا بعد؟".. حواراتنا، أفكارنا، قراءاتنا، مشاريعنا، فعالياتنا، ماذا بعدها؟ في عالم يضج بالفوضى، يضج بمتغيرات لا نهاية لها، بقتل لا يملك تفسيراً، وحروب لا تَعرِف رحمة، وأوطان لا نستطيع الوصول لها، وعائلات تتأرجح على شفا التساقط.

في وسط كل هذه الأشياء بل أكثر: ماذا نملك أن نفعل نحن؟ ما الذي لنا أن نغيره في كل هذا العالم المكتظ؟

يراودك الميل للانسحاب؛ لأن تتركَ عناء البحث عن الطريق؛ لأن تريح عقلك من دوامة التفكير، ماذا لو كنتَ مثلهم؟ تستيقظُ في الصباحِ تمارِس يومك العادي بانتظام، تبحث عن هواية واحدة ورفيق واحد، وكفى.

تكفي الحياة هكذا، كن فيها كأعرابي أتى يسأل عن درب النجاة، فأرشد لاتقاء حرمات والتزام فرائض، وكفى! لا شيء يستدعي أن تكون ذا بصمة تسطر في ليالي الهجر والعراك والحروب والفتوح، لا شيء يستدعي شعورك بالمسؤولية تجاه من عرفت ومن لم تعرف.

كن كمن حولك، كن تابعاً لا بأس في ذلك، لا تناقش، لا تجادل، لا تفكر، خذ العمر بأريحية، تغير أنت وحدك لا شيء في الكون سيتعدل.

يراودك الميل للانسحاب؛ لأن تنسى كل ما يتعلق بعمقٍ أو قضية؛ لأن تكون ممن لا يهمهم إلا خاصة أنفسهم، ثم تنهمر عليك كل الأحاديث والآيات التي تذكرك بأنه لا يمكن لك ذلك، وأن العمر يحتاجك غضاً طرياً حديث عهد بربك فاعلاً مؤثراً حتى آخر رمقك.

تنهمر عليك كل الأحاديث والآيات وقصص المصلحين والفاعلين تؤكد أن عليك قول الحق في كل المواطن، بأن عليك أن تكون الجماعة ولو كنت وحدك، بأنك ستغرس في الأرض حتى النفس الأخير حتى ولو لم يكن هناك من يجني الثمر بعدك.

يراودك الميل للانسحاب ثم يجذبك الشعور بالأمانة، تقلقك كل الوجوه التي تتغير، وكل القلوب التي تتبدل ثم يطمئنك أن ما كانَ لله يبقى، وبين هذا وذاك، دع قلبكَ لا يكف عن الدعاء خوفاً وقلقاً ورجاء وشوقاً واستخارة وأنساً، عندها أنى يكون لكَ الانسحاب؟ بل أنت بالبُعد تشقى، وبالقرب ترضى رغم كل الصعاب.

ماذا بعد؟ هذا السؤال الذي يتردد على خاطري كل صباح، أجد له اليوم جواباً واضحاً يؤكد ما كان مِن قبل: نحن الـ"بعد"، أنتَ الوجه القادم إن لم يكن للعالم ففي حياتك على الأقل، أنت من يملك أن يجعل ما يقرأ واقعاً وما يكتب عملاً، أنت من يستطيع أن لا يكتفي بالكلام، ولا يرضى بدور النّاقد.

أنت من يعرف أن يوجه كل ما يفعل لأجل قضية ولا يرضى أن يكون هامشاً ولا ينتظر معجزة تظلل عليه، ولا يقبل أن يعيش بلا أثر حقيقي، ولا أن تتحول أعماله لملء فراغ لا أكثر، ولذلك كله أقول لك: اعقلها وتوكل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.