المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زينة زيدان Headshot

خيال فراولة

تم النشر: تم التحديث:

بعيدًا عن صخب الجميع.. يبدو الجلوس وحيدة مع فنجان القهوة حلو المذاق والكتابة لهذا العالم الضائع فكرة جيدة.. أحتاج أن أستكين قليلاً إلى نفسي، أن أعانق روحي التي أيبسها الجفاء، أن أدلل جلدي المتشقق في وجهي الذي بدأت تغزوه التجاعيد باكراً. بعيداً عن هموم بلدي الكثيرة وتناقضاته المتشعبة.. لا شيء أجمل الآن من الجلوس وحيدة..

لا أريد أن أموت على ورقي. لا أريد أن أنزف وحيدة في هذه الدنيا. إنّ من طبعي التكامل مع الآخر والاندماج معه. كما أنني أكره العزلة.. لكنني الآن متعبة. ولا بأس بذلك. وأحتاج كثيراً أن أرمي هذا الحمل الثقيل فوق كتفيّ وأتمدد على رمال من خيالاتي البعيدة، وأغمض عينيّ قليلاً في صحراء واسعة لا حدود فيها لأي شيء، تلتصق سماؤها برمالها ولا يزعج صفوها تسبيحة طائر.. أريد أن أتمدد على هذه الرمال الدافئة لأسترخي وأترك مفاصلي المرهقة ترتاح.. فتغازل الحرارة جسدي ويتجاوب الأخير معها.. وأغمض عينيّ كأني لا أرى شيئاً أبداً..

وأستبعد استحضار الصور كلها.. فأنا لا أريد أن أتذكر أي شيء.. لا أريد أن أرى في خيالي ما عمدت أن أبتعد عن رؤيته في واقعي.. إنني ملك نفسي.. وحيدة وحرة وصافية تحت شمس جريئة.. إنني قادرة الآن على امتلاك هذا العالم وتحويلة إلى فقاعة ملونة والسيطرة على حركة دوران البشر المرضى وحركة الأموال في البورصات العالمية.. قادرة على الاستيراد والتصدير والزراعة والحرث.. قادرة على إنجاب آلاف الأطفال معاً والسباحة في عمق المحيط والطيران في أبعد خيط للسماء قد أراه.. قادرة على جعل الكون قوس قزح، أو قصراً جميلاً تنتظر فيه الجميلة فارسها الذي لن يأتي قريباً.. قادرة على رسم شكل جديد لعينيّ وفمي وأنفي وجسدي وأصابعي القصيرة النحيلة.. يمكنني جعل شعري الآن ناعماً حريريًّا كما كنت أحلم دوماً، ذا لون بني تتآكله تدرجات الكستنائي المطعّم بالأشقر.. طويلاً بدون عقد وتقصف.. كما أحلم دوماً..

وأن أجعل رموشي كثيفة لا تحتاج للماسكرا وشفاهي جذابة ينظر إليها كلّ رجل يمرّ بقربي فيشتهيها.. يمكنني أن أصنع سرًّا جديداً لضحكتي يستهوي النساء كلها.. وأن أطلق لساني ليقول النكات الجميلة التي يحبّ أن يسمعها الكثيرون.. يمكنني أيضاً أن أزيد بضع سنتيمترات ليصبح قوامي طويلاً وممشوقاً بل أستطيع أن أجعله رياضيًّا أيضاً. من يدري؟!.. بالأمس كنت أشهر عارضة أزياء قصيرة القامة.. واليوم أنا أمهر عدّاءة.. وغدا سأزور القمر.

صار بإمكاني أن ألمسه من دون خوف.. وأنام على خدّ الموج فلا أغرق.. وأطير نحو سماوات بعيدة جدًّا.. فلا أصل ولا أكتفي ولا أخاف ولا أعود. صار بوسع الكون أن يصبح قطعة فراولة أضعها في جيبي وآكلها عندما أجوع. وهذه النجوم كلها، جمعتها بالأمس في كفّي ثم نفخت فيها ونثرتها في سماء الله مجدداً فعادت إلى مواقعها لكن بحلّة أجمل..

من مكاني هنا.. أرتشف قهوتي بيميني.. وأدير عجلة الكرسيّ المتحرك الذي يعرفني كأمي، بيساري.. وتقوم عيناي بالمهمة الأجمل.. أن تدير لي الكون كيفما أشاء.. على هذا الكرسيّ المتحرك حققت كل أحلامي.. وبدأت أحلاماً جديدة. إن عقولنا هي التي تحلم لكن قلوبنا هي التي تحققها.. ويمكنها ذلك في الوقت نفسه لو أرادت. أيها الكون الصغير في عينيّ، الكبير في قلبي.. لك مني سلام ووعد بأن تكون لعبتي التي لن أشاركها مع أحد قبل أن أكتفي من بعثرتك وتجميعك كما أريد ومرات عدة.. كل ذلك إلى أن يحين قطاف الفراولة في قلبي..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.