المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زينب عامر Headshot

ومع ذلك أعيش

تم النشر: تم التحديث:

أنا دائماً قلقة، ولا أفصح عن قلقي هذا، وإن سُألت لن يُرى بي خيط من هذا القلق؛ لأنه محاطٌ بسور من إجادة اللامبالاة في العلن، لكن الباطن جحيم!

أنا قلقة، ويجب أن أُبقي قلقي متيقظاً؛ لأن في لحظة غفلته واطمئناني تقع الكارثة التي كنت أخشاها أو كارثة غيرها.

هذا القلق لا علاقة له بإيمان المرء من نقصه، فالمصاب بالقلق قد يكون صابراً على قدر الله راضياً به ويحمد عليه الله.

ولكن الجحيم الذي يعانيه هو أبعد من وصيتك له بالإيمان بالله؛ لأنه مؤمن بالله كل الإيمان، وراضٍ بقضائه كل الرضا، لكن القلق حينما يصيب المرء منا لا يترك موضعاً في جسده إلا وَيطأه ومن ثَم يُرديه.

القلق الذي أتحدث عنه ليس من هذا النوع المثبِط الموهن للعزائم، وهو ليس الذي يعوقك عن الإقدام على قرار مهم في حياتك، وليس أيضاً الذي يصيبنا قبل كل اختبار وتقدمٍ لوظيفة، ولا يعد قلقاً من "ما بعد الحال"، أي: من المستقبل.

القلق الذي أتحدث عنه هو قائم في كل تلك المواقف، لكنه لا يعوق تقدمك، بل يتحدى قوة الثقة بالله في قلبك، وثقتك بالمقدرة على تخطيك لكل تلك المآزق، فيضاعف هذه الثقة، ويُكرمك بالتغلب عليه.

هذا القلق يمنعني من ارتداء سماعتي الأذن كلتيهما أثناء سيري في الشارع، وفي المواصلات، وفي السيارة مع أهلي، وفي بداية نومي؛ لأنني أشعر باحتمال وقوع أمر جلل، ولن أدركه إلا بعد فوات أوانه أبداً.

هذا القلق يحرمني من لذة الشعور بالأمواج ترتد في قدمي فتتفرق من حولها ظناً منها أنني مانع طبيعي لصدود الأمواج على الشاطئ، هذا الشعور الذي يدمجني بالطبيعة ويجعلنا شيئاً واحداً لا شيئين منفصلين.

حُرمت هذا الشعور الرائع لقلقي من البحر.. أنا لا أخاف البحر، بل أنا قلقة منه ومن وجودي فيه.

يتطلب دفع القلق قوة وعزماً شديدين، تغذيهما كثرة القلق، فتدفعك كثرة القلق إلى الإقدام على ما تخشاه بإصرار وعزيمة أقوى، ولكن يظل القلق رفيقاً مُعمِّراً لذاتك وعقلك.

القلق مخالِف للخوف، فالخوف تشعر به أثناء وقوع الحادثة، بينما القلق يكون حَيال وقوع الحادثة في المستقبل، القريب منه والبعيد.

فأنا قلقة لست بخائفة، أنا لا أبالي بالحادثة عند وقوعها؛ لأنني قد عشت مسبقاً حدوثها بعقلي، وأيضاً لست بفزعة، فأنا لا أرهب الحوادث ولا أفر منها حين تصيبني وحدي.. أنا فقط قلقة ولست أي صفة أخرى.

فأنا مثلاً لا أخاف أن أكون مسؤولة عن بيت وزوج وأبناء، ولا أظن أنني سوف أنزعج من وقوع بعض من عدم التفاهم بيني وبين زوجي المستقبلي، ولكنني أقلق من أجل وقوعها، ولكن حينما تقع فسأتعامل معها ولن أخاف.

كما لا أخاف من تربية البنين من أبنائي، بينما أقلق من أجل مقدرتي على تنشئتهم تنشأةً سليمة، من دون عُقد نفسية، ومن دون جعل الدين وسواساً لهم، ولكن جعلهم عباداً لله صالحين يحبونه ويخشونه.

فأنا دائماً ما أقلق من مقدرتي على إنجاز العمل بنتيجة تُرضيني، ولكن كثيراً ما أُذهل من روعة العمل في النهاية، ومن ثباتي الانفعاليّ أثناء كل تلك الحوادث!

أنا في بداية العشرينيات من عمري، لا أقلق من أجل السنوات القليلة القادمة، بل أقلق من أجل سن الثلاثين، أقلق من أجل الأربعين من عمري.. كيف سأكون؟ أين سأكون؟ من سوف يبقى معي؟ ومن سيذهب عني؟ ومن سوف أغادره؟ ومن سيغادرني؟

مستقبلي القريب أتركه للأيام أحياناً، ولكن البعيد منه هو حقاً ما يُثير قلقي ويُشغل تفكيري ويُضنيني.

حينما بحثت عن القلق وجدت مقولة لأحدهم يقول فيها: "إذا لم أجد شيئاً يُقلقني، فهذا بحدِّ ذاته يُقلقني".

أحسب أن هذا ما يفكر به عقلي حينما لا يجد سبباً وجيهاً لقلقِه.

ليتني أُمضي حياتي قلقة فقط من أجلي، لكنني أقلق لنفسي وللجميع، أقلق لأبويّ وإخوتي، أقلق من أجل رفقائي وأحبتي، يأتيني الصباح وأنا مشغولة البال برجل كان يبيع المناديل بين السيارات أثناء إشارة المرور، وأسهر الليل ولا تغادرني المرأة الصغيرة تعرض منتجات صنع يديها في عربات المترو وكيف تتنقل بين المحطات.

لا أعلم، هل أَبقى على جَحيمي هذا حتى لا أتفاجأ من وقوع الكوارث، أم أتخلّى عنه من أجلي ومن أجل التوقف عن إرهاق عقلي بنخر التساؤلات فيه؟!

أحسب أنه من هذا النوع الذي لا يغادركَ حتى لو أردتَ أنتَ مغادرته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.