المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زينب سعد Headshot

أجنحة الفراشة.. أبناؤنا بين وهج المعرفة ونار الواقع

تم النشر: تم التحديث:

حاول أحدهم يوماً مساعدة فراشة على الخروج للنور، والتي كانت تحاول الخروج من الشرنقة، فقام بتمزيق شرنقتها ظناً منه أنه يقوم بعمل جليل، فخرجت أجنحة الفراشة للنور واهنة ضعيفة، وحاولت الطيران فسقطت أرضاً ولم تنهض ثانية، وكان لزاماً عليه تكفيراً عن ذنبه أن يحملها لكل الأمكنة، فصارت الفراشة عبئاً دائماً على صاحبها الذي لم ينجح في تأهيلها لمواجهة الحياة بمفردها.

أول الأعوام الدراسية في حياة أبنائنا هي الأهم، وأول فكرة نغرسها في رؤوسهم عن العلم هي الأبقى.. البدايات الناجحة تنبئ دوماً عن شكل النهاية، وعلى الآباء والأمهات وحدهم أن يخطّوا تلك البداية معتمدين على إيمانهم بأطفالهم، والمرونة في التوقع وعدم الضغط، والبحث عن التفوق، فالبداية عادة تكون صعبة، وخروج الطفل من جو المنزل اللاهي غير المرتبط بموعد، والتزامه بجدول دراسي وكتب يجب أن يكون معه تهيئة نفسية من الأسرة ودعم وتشجيع.

نرى الآباء والأمهات في حالة هرولة مستمرة منذ بداية اليوم وحتى نهايته يبذلون فيه أقصى طاقاتهم؛ ليوفروا ما يتطلبه الأمر لإنجاح العملية التعليمية، متناسيين أن أهم من عملهم الدؤوب وسعيهم في توفير المأكل والمشرب والملبس والأدوات الدراسية والمكان في المدرسة.. التشجيع هو العامل الذي قد يسقط بالرغم من أنه أهم أدوات العملية التعليمية على الإطلاق.

الرسالة الإيجابية مهما كانت بساطتها من الأهل والمعلم معاً تحمل الأمل لهذا الطفل بنجاح فرصته في تلقي المعلومات.. نضيف على ذلك الابتعاد التام عن المقارنة التي يسقط فيها بعض الآباء والأمهات، فالإخوة يختلفون وكذلك أبناء العمومة والأصدقاء والعلاقة الوثيقة بالمعلم والتعاون البناء معه يحققان الهدف المنشود في الطفل.

عندما نجعل حبنا للأطفال غير مشروط بتنفيذ رغباتنا وتحقيق توقعاتنا لهم، وأن يحمل الأهل على أعتاقهم مسؤولية إنجاز أطفالهم في سنوات الدراسة بالتشجيع وليس بالتعنيف، ومساعدتهم قبل المعلم في المدرسة على تنظيم أوقاتهم وتهيئة المناخ الهادئ للدرس، متذكرين أنهم أول وأهم معلم في حياتهم، واثقين من قدرتهم على معاونتهم بما يلزم، فهم قد عاونوهم قبلاً بتعليمهم الكلام والمشي وضبط الإخراج وقطعاً وقتها ستتغير المعادلة، وتختفي المشكلات التي يسببها انتظار الأهل للطفل أن يجترح المعجزات وحده وأن يتحول للطالب الفائق بضغطة زر..

واهمٌ مَن يظن أن معاونة صغاره بالقيام بواجباتهم بدلاً عنهم والمبالغة في حمياتهم أمر جيد بأي شكل.. الطريق إلى جهنم معبَّد دوماً بالنوايا الحسنة التي غالباً تكون في صدور الأمهات وجناح الفراشات حتى يشتد ويحملها على الطيران لا بد يحتاج أن يمر بصعوبات التدريب بدون مساعدة.

في طريقي لتوصيل طفلي للمدرسة لمحت هذا الطالب المصاب بشلل الأطفال الذي يرتدي جهازاً في إحدى ساقيه لمساعدته على المشي ويتكئ على عكاز بإحدى يديه وبالأخرى يجر حقيبته المدرسية ذات العجلات، احترمت كثيراً تلك التي أنجبته ومنحته الفرصة ليمشي طريقه الصعب بدون أن تحمل عنه الحقيبة، أو ترسله بسيارة أو تمنحه نظرة شفقة تجعل معنوياته منهزمة أمام تحدي واقعه الذي لا بد أن يجتازه ليصل لغرفة الدرس.. داخلاً إلى مدرسة ابتدائية حكومية ملاصقة لبيتي، وعلى أبواب المدرسة رأيت نساء كثيرات يبدو أنهن لم يحصلن على أي تعليم ويرتدين من الثياب ما ينم عن رقة الحال وضيق ذات اليد، ولكن في عيني كل منهن لمحت إصرار الأبطال وعزم الجنود في المعارك المنتصرة.. من هذه الطاولات المدرسية وتلك الحقائب رخيصة الأثمان غالية المحتوى وعرق المعلم الذي يقطع الطريق ذهاباً كل يوم إلى قاعة الحياة؛ حيث يمنح أكبر وأهم حق للطفل في وطن يشيد مستقبله في عقولهم.

طريق من خيوط الشمس بدا واضحاً في نظري تحفره خطوات الفتى الشاقة وينطلق من عيون الأمهات وأياديهن التي خط الشقاء جمالها.. من هاهنا يحيا الوطن.. من طالب تحدى ظروف إعاقته وأُم نسجت أملاً من خيوط المستحيل لتضع طفلها في صف دراسي.. أليس لهذا خلق الله البشر وكانت أول آية في تعريفه لآدم (وعلم آدم الأسماء كلها) صدق الله العظيم.

لنجعل أيام الدراسة أياماً مليئة بالأفكار الملهمة والمعاني القديرة والأهداف السامية.. لنعّلم الصغار أنهم جنود اليوم وأبطال الغد، وأننا سنحبهم مهما كانت نتيجة المدرسة ونبالغ في تقدير أي جهد لهم ونرسخ فيهم أن الدراسة هي التوق والفضول للمعرفة، وليست بضع درجات في شهادة دراسية أو كتاب نظيف حافظ عليه الطفل جديداً لآخر العام.. وأن أوقات المدرسة التي تحمل شحنة عصبية للأهل وضغطاً مادياً نستطيع أن نجعل منها أياماً لتحدي الأصعب واستشراف المستقبل الأفضل، وأن تجاهل الفشل وتوقع النجاح خير من عكس المعادلة التي يلجأ لها بعض الأهالي لتحصين أنفسهم من الصدمة..متناسين أنهم وُلدوا جهلة تماماً كحال الصغار، وأن الأمر استلزم أعواماً طويلة لتتفتح الأزهار في عقولهم وتشرق الشمس.. قليل من الصبر كثير من الحب معادلة تحقق طيران الفراشات الجميلة التي نربيها في بيوتنا بأجنحة أقوى، والتي هي نعمة كبرى وضمان لوجود غد مشرق لهذا الوطن.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.