المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زينب سعد Headshot

رمضان الذي لم يمرّ من هنا

تم النشر: تم التحديث:

فيديو عجيب شاهدته عبر حسابي على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك به صوت سيدة تتشهد وتستنجد بالإنكليزية وتفتح باب شقتها لترى الدخان ثم تعود لإغلاقه وتواصل حديثها معنا عبر خروجها في بث حي لترينا مشاهد اندلاع النار في الطوابق الدنيا من مبنى طويل تقطن هي في أدواره الأخيرة.

هل كان آباؤنا أو حتى هل نحن منذ عدة سنوات تخيلنا أن تجتاح الدنيا ثورة تواصل تجعلنا قادرين على رؤية موت أحدهم حرقاً في بلد آخر؟

ثم السؤال الأكثر إذهالاً أين العالم كله من هذا الحريق الذي شاهدناه مباشر؟!

كيف في بلد متقدم مثل لندن لم تصل المروحيات لإجلاء السكان عبر النوافذ وإطفاء الحريق بكل طريقة ممكنة؟

ذكرني مشهد المبنى المحترق بمشهد الجثث المتفحمة والمسجد الذي كانت تندلع منه النيران في رابعة العدوية منذ سنوات قليلة، يبدو أن على هذا الجيل أن يشهد الهول الذي كان خيالنا يعجز عن تصوره في أعتى كوابيسه!

بقيت أياماً أتتبع أخبار تلك السيدة التي خرجت في بث حي وتضاربت الأقوال حول نجاتها.

كنت أريد أن أصدق أنها قد نجت، المرأة استغاثت عبر الإنترنت من غير المعقول أن استغاثتها وصراخ طفلتيها المذعورتين قد ذهبا أدراج الرياح!

بعد مرور عدة أيام خرج الكلام النهائي بأن السيدة وطفلتيها قضوا في الحريق مع عشرات الأشخاص، وأن الجثث المتفحمة ما زالت في المبنى والشرطة تخاف من دخول المبنى لانتشالها والتحقيق؛ لأن البناء بعد الحريق صار آيلاً للسقوط.

قبل هذا الحدث بأسابيع قليلة كان بناء في الإسكندرية قد مال متأهباً للسقوط وقد خرج سكانه للمبيت في المسجد المجاور في مشهد مأساوي يليق بما تعيشه مصر من فساد متفشٍّ.

لكن يبدو أن الفساد يجتاح العالم بالكامل حتى لنرى بناء ضخماً مثل مبنى جريفيلد المحترق والذي لم يُجلوا منه سوى 500 شخص فقط مما يؤكد كثافة سكان هذا البناء الذي تركوه يحترق والكاميرات تصور.

وددت لو كان هناك إمكانية أن نخرج عبر صفحاتنا الاجتماعية لنشارك في إطفاء البناء هكذا كان الحال في وطني منذ صغري، كانت سيارات الإطفاء تتأخر دائماً، ويتعاون أهل الحي الشجعان على إطفاء الحرائق.

لا أنسى أبداً مشهد أبي الحبيب -رحمة الله عليه- وهو يندفع لبيت جارتنا الذي كان يحترق وهو يحمل فوق رأسه مجرد وشاح مبلل ويسحب أنبوبة الغاز ويخرج بها وسط صراخ أمي وأنفاسنا المكتومة.

هذا الجار الشهم الذي ينقذ الحياة ويعين على نوائب الدهر شاهدناه أيضاً في مبنى لندن المحترق؛ حيث قام الشباب بالطرق على منازل الأدوار السفلى من المبنى ومعاونة الناس على الخروج، لكن الحياة وهولها يحتاجان أكثر من جار شهم، في حاجة إلى حكومات تدرك مسؤوليتها العظمى في حماية أرواح مواطنيها.

لم نعد نعرف من كثرة الهول على أي شخص نحزن ولا على أي حدث نبكي ولا كم هولاً شهده جيلنا سنصنع تأبينا نتذكره به كل عام.

وفي مشهد آخر كان عظيماً جداً، فتحت الحكومة التركية المعبر بينها وبين سوريا وتوافد المئات من المهاجرين إلى الأراضي التركية عائدين إلى وطنهم المدمر سوريا.

الوطن هذا التراب الذي نريد أن نموت فيه ونحبه ولو صار كوماً متهدماً بيد حاكم مجرم ما زال الوطن غالياً جداً، والناس تدفع أي شيء للعودة إلى أوطانها.

في مشهد أشد غرابة افتتحت سيدة متبرجة مسجداً قيل إنها أجرت غرفته من كنيسة مجاورة يصلي فيه الرجال بجوار النساء بلا حجاب، وتكون الإمامة فيه لهذه المرأة!! مسجد ليبرالي هكذا يقول الخبر.

رمضان الذي لم يمر من عدة أمكنة هذا العام، وما رأيناه من إرهاب واضطهاد ديني واضح للمسلمين في عدة مناطق يجعلنا نتذكر كيف كان رمضان طفولتنا سعيداً وخالياً من الألم.

رمضان الذي لم يمر بساحته البيضاء كثير من المنكوبين والمعتوهين والذين يغزوهم الموت هذا العام تحت حوادث القتل والإعدامات والإرهاب والرعب الذي يجتاح عالمنا.

رمضان الذي ما زلنا ننتظره أن يمر على عالمنا؛ ليكون كما عهدناه دائماً ضمادة شفاء ورحمة من شقاوة هذا الواقع الذي قد جاوز الخيال!

ونصلي لنعثر عليه في قلوبنا، وإن لم نعثر عليه في واقعنا المر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.