المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زينب إسماعيل البقري  Headshot

الزواج والخوف وثقافة الطبقة الوسطى

تم النشر: تم التحديث:

ثمة مداخلة طُرحت على إحدى المجموعات على موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" من قِبل أحد الشباب، يعبر فيها عن احتياج الشاب للاحتواء والاطمئنان من قِبل الفتاة، وأن الشباب هذه الأيام دوماً في حالة من الخوف والرهبة من الإقدام على خطوة كالزواج، هذه الحالة التي تزداد سوءاً مع تردي الوضع الاقتصادي في مصر. ولأني أحسب هذه المجموعة جادة في طرحها للمشاكل الاجتماعية، فلدي تعقيب أريد قوله، رغم أن الحديث عن الزواج لن ينتهي، ولن يُرجى منه حل أيضًا.

أرى أننا لمحاولة تفهّم منبع هذا التخوف، علينا الرجوع للوراء، وتتبع مسار نشأتنا الاجتماعية والتربية التي كنا نتاجاً لها. نحن نتاج تربية جيل أمضى حياته في شقاء من أجل أن يحقق استمرار تواجده في الطبقة الوسطى، فإما اختار مسار الغربة في السعودية ودول الخليج وتحملت الأم المسؤولية شبه الكاملة عن تربية الأبناء في غياب الأب، أو أن الأم تعمل للمساهمة في متطلبات الحياة في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية وبيئية ضاغطة.
هذه الطبقة الوسطى التي رأت أن خلاص أبنائها في النجاح والتفوق الدراسي، فاهتموا كثيراً بالتعليم، هذا التعليم الذي يقوم بتشكيل عقليتنا وتكويننا النفسي، ويترك رواسبه فينا سواء شئنا أو أبينا، بما تحمله هذه الرواسب من إيجابيات أو سلبيات أيضاً، ومن الآباء من تحمل الكثير من أجل توفير مصاريف الدراسة والدروس الخصوصية وتوفير التعليم من الابتدائي حتى المرحلة الجامعية لأبنائه، ومنهم أحياناً من يقتصد في معيشته ومأكله وملبسه من أجل تعليم أبنائه.

هناك صدام ما بين الجيلين إما لأنه مع زيادة عدد ساعات العمل وضغوطه، لم يعد هناك وقت للتواصل بينهما ولا لغة تفاهم أو اهتمامات مشتركة، ولا تفاعل واحد مع الأحداث التي عاصرها كلاهما.

وتتزايد الفجوة والصراع مع إصرار بعض الآباء على فرض منظومتهم على الأبناء. هذا الإصرار له دوافع نفسية خفية "أني أريد أن أرى فيك عمري الذي ضاع سواء في الغربة أو في تحمل القهر والبيئة الضاغطة في مصر"، فتكون "وجهتي المشرفة" أمام المجتمع، إعلان عن عدم فشلي، ذلك الشعور الذي يكتمه بداخله في صمت وحسرة.

فنجد أن ضوابط النجاح عند جيل الآباء تتمثل في أبناء ظاهرياً جيدي الملبس والمطعم ومتفوقين في تعليم عالٍ مهندسين وأطباء، أو تجارة إنكليزي ونتكلف عناء الدفع، من أجل ضمان التوظيف في سوق العمل، والبنت من معايير النجاح الاجتماعي أن تتزوج من شخص بوضع مادي معين ومؤهل معين.. إلخ، ويشعر بهذا أنه قد تغلب على العجز وأن العمر لم يضع سدى، والجهد لم يذهب هباءً؛ بل إن المجتمع يرسخ هذا النمط من خلال ممارسات عدة، منها مسابقات الأم المثالية على سبيل المثال، التي غالباً ما تكون أماً غاب زوجها لأي سبب كان، وتولت بمفردها تعليم أبنائها للمراحل الجامعية!

هذه المنظومة الفكرية نحن نجيد نقدها ورفضها والتمرد عليها، ولكن قليل جداً ممن يحاول معالجة رواسبها في نفسه بهدوء، أو يدعي البعض أنهم مجرد رفض هذه المنظومة قد تجاوزها، ولكنها جزء منا، ولا يستطيع أحد أن يهدم ويحطم نفسه، ولكنه يستطيع أن يدرك ويعي تكوينه، ويتحرك بناء عليه.

من رواسب هذه المنظومة أن الولد فجأة يخرج خارج عالم البيت، ويبدأ يبني تصوراته عن الحياة حينما يلتحق بالجامعة، أي بعد 17 سنة تقريبا (أكثر مشاكله تكون منبعها البيت لأنه لم يحتك بالخارج احتكاكاً حقيقياً)، يذهب إلى الجامعة وينخرط في الأنشطة الطلابية، ويستشعر كأنه البطل المغوار، والقادر على فعل كل شيء، ويتضخم تصوره لحجم قدراته، فهو رئيس نشاط طلابي أو مدرب لعشرات الطلاب أو رئيس اللجنة التنظيمية ، فيظن أن اكتسب كل المهارات والقيم والمعاني، وغالباً ما يستهلك كل وقته في هذه الأنشطة التي تشعره بذاته،

فهو ليس تلميذاً كما يعامله أهله ولكنه رئيس نموذج محاكاة! وتشبع طاقته الحركية أيضاً، ثم يخرج بعدها لملاقاة كل ضغوط الواقع واستنزاف سوق العمل، ومع حاجته الطبيعية والنفسية للارتباط، يزداد اصطدامه في بيئة خانقة، وخيارات ليست خياراته، ولا يجد جدوى من توقعات أهله ، ولا له ذنب يتحمل أن يكون "واجهتهم المشرفة" على حساب إهلاك نفسه، لا يتبلور في ذهنه ماذا يريد تحديداً، وبكون بحاجة إلى احتواء حقيقي ولا يجده.

وفي هذه البيئة بتلك المنظومة التي ترسخها ثقافة الطبقة الوسطى الحضرية عامة، والقاهرية على وجه الخصوص، لا يكون الشاب قد عايش تجارب حقيقية يتشكل من خلالها وينشف عوده ويتحمل مسؤولية. وحينما نتأمل نجد أن هناك اندثاراً لشخصية "ابن البلد الجدع"، قد يتواجد أكثر في بيئة شعبية من بين أبناء الحي وغالباً غير ملتزم دينياً، ولكنه لا يتواجد كثيراً في أوساط الطبقة الوسطى المتدينة المتعلمة، فالطبقة الوسطى تجيد تربية تلاميذ متفوقين ولكن ليس بني آدمين حقيقيين؛ لأن التركيز ينصب على أن يكون تلميذاً نجيباً، وليس التركيز على أن يكتسب ويتأصل فيه معاني "الرجولة" وكذلك البنت لا يتم التركيز على أن تكون "أنثى"، فالتربية تتحول إلى عملية تخريج أناس مؤهلين إلى سوق العمل.

تربية التساوي التام ما بين البنت والولد لها جوانب سلبية، فالولد لم يعتد أن يكون مسؤولاً عن أخته، كذلك البنت لا تشعر بأمومتها واحتوائها الفطري لأخواتها، بل تخوض البنات في هذه الطبقة غمار معركة صعبة، فالأهل يطالبونها كذلك بأن تخرج للعمل وتنخرط في بيئة العمل وتنفق على نفسها، وثمة إضافة هامة أن بيئة الجيل الذي تولى عملية تربيتنا بدأت تتفكك أكثر، فهو ليس لديه علاقات وروابط قوية بأخواته أو بالأسرة الممتدة التي يستطيع التعويل عليها في وقت مرض أو أزمة أو غيره، فهو فعلياً على شفا جرف من الانهيار الداخلي، ويتعجل التعويض الآني في أولاده،

وتستمر حالة التفكك وتتوارث من جيل إلى آخر، فتنقطع الروابط وتزداد هشاشة، ليجد الفرد نفسه في العراء، عالقاً في الهواء لا جذور له تحمله، ويبحث عن شيء يستند إليه في هذه الحالة من الخفة، أو الجذور الخاوية التي يقف على أوتارها بدون أن تحمله، فتزداد حالة الخوف، ولا ينظر أن مبعثها رغبته الشديدة في الانفكاك عن روابط البيت ورفضها بالكلية بدلاً من إعادة معالجة أوتارها الضعيفة،

فيكون ما بين حالة إصرار على قطعها، والشعور بالاغتراب من ضياعها في نفس الوقت. فيبدأ في البحث المضني عن علاقات أخرى عاطفية أو صحبة أو نشاط ما تحمل خفته وهشاشته، أو الشيخ أو المعلم المربي الذي تزايدت الأصوات المنادية بالبحث عنه هذه الأيام، ولا يجد فيه مع مرور الوقت صلابة علاقات النسب الأصيلة.

ونجد أن الشاب يكون قد قارب على الـ25 عاماً ولا يدري أين يتوجه، ماذا يريد، وفي بيئة انفتحت كثيراً مع هذا الزخم الكبير من وسائل التواصل الاجتماعي، فنجد حالات كثيرة لشاب يتحدث مع عشر بنات في نفس الوقت، ويريد الارتباط ولا يعرف كيف؟، ويمتلكه الخوف والتوتر، وأهله إما يختارون له زوجته مقابل ضغط مادي يتكفلون به ويكملون مسيرة تعويض معركتهم الخاسرة على أولادهم وخياراتهم، أو الشاب نفسه يكون قد تمت برمجته على أن أهله هم من يحددون خياراته، أو إذا رفض خياراتهم ، فيقف حائرًا لا يعرف كيف يتصرف، أو أن الأهل غير قادرين على مواصلة رحلة الإنفاق على الأبناء، متصورين أن مهمتهم قد توقفت عند تأهيلهم وتسليمهم لسوق العمل.

وفي كبت البيئة المحافظة المتدينة حيث تغيب اللغة التي يستطيع الشاب أن يصرخ أو يصرح بها عن أزماته، فيظل في حالة ضغط مكتوم على نفسه، فلا يعرف احتياجاته الحقيقية، وإذا عرف فهو غير متصالح معها، وتظهر هنا ازدواجية في السلوك نتيجة لذلك؛ لأنه يكون في صراع يريد التغلب عليه ولا يستطيع، ويريد أخذ فعل وخائف.

أما البنت في هذه المرحلة، أكثر قدرةً وصلابًة وتحملاً للمسؤولية من الشاب؛ لأنها في مجتمع خارجي لا يرحم ومهددة في الشارع والعمل والمواصلات، فلا بد أن تصمد وتواجه وتتصدى، ولأنها أكثر استشعاراً بمعاناة الأهل، فتواصل الاستمرار في بذل الجهد للتفوق في البيت والعمل والجامعة والأنشطة التطوعية، وتستقل مادياً، فنجد فتيات كثيرات متواجدات في أكثر من نشاط في نفس الوقت التي تدرس وتعمل فيه البنت وتعرف كيف تركز فيها بكفاءة، ولكن تقع في ضغط رهيب، تبدو من الخارج مستقلة متوازنة ولكنها في حقيقة الأمر مرهقة جداً وهشة، وعندئذ تزداد ضعفاً وانهزاماً وانكساراً مع أول تجربة عاطفية تمر بها أو تخلق بنفسها مساحة غير سوية لعلاقات غير أصيلة، فترهق نفسها أكثر، ونجد مبالغة وحالة "أفورة" بين أوساط بعض الفتيات.

والمجتمع كذلك يزيد من ضغوطه على الفتيات، فنجد على سبيل المثال أن المجتمع يحفز الرجل المتعلم المهندس أو الطبيب مهما ظل عمره كله يدرس، في مقابل صورة "حسرة متوارية عن بنت تواصل تعليمها ودراساتها العليا وغير متزوجة، فالشاب يزداد رصيده بتصاعد علمه، أما البنت لا تلقى نفس النظرة، بل العكس، هامش هام: لقد خلقت حالة التواصل المفتوح مساحة غير سوية في العلاقات لمن لا يجيد التعامل معها،

مع أهمية التجربة والتعلم من خلالها، بالطبع لكونها مساحة جديدة فطبيعي يحدث اضطراب وخلل فيها، لكن استهلاك النفس فيها وإضرارها، فذلك أمر غير صحي، ولكننا نجد البنت تشحذ همتها في حالة التوهم لعلاقات هشة تحاول بها إشباع عاطفة منقوصة، أو تواري ضعفاً لا يتاح لها التعبير عنه، ولا تقديره واحتواؤه في البيت، فتصبح أكثر تهاوناً. ويسهل على أي ولد تائه بكلمات بسيطة أن يدخلها دوامة استنزاف لا تنتهي،

أو تشعر بأن شخصاً ما يبدو مناسباً ظاهرياً، فتشبك نفسها في سرب من الأوهام. وتصبح الفتاة أكثر تحطماً من الشاب، ويصعب عليها تجاوز الأزمة التي خلقت نفسها فيها بسهولة، لكن الذي أعرفه يقيناً أن الفتاة تستطيع أن تضبط الأمر وتواجهه أكثر من الشاب حال فقط أنها رغبت في ذلك، لكن البعض منهن يهوين استمرار الحالة، مما يؤثر عليهن سلبياً فيما بعد.

أما الشباب فهم أكثر قدرة على النسيان والتأقلم والسعة في العلاقات والتجاوز. فلا أحب إلقاء اللوم على طرف واحد، مهما كان الشباب في حالة تيه وتجربة غير مسؤولة للعلاقات، فالفتاة تستطيع إيقافه إذا كانت جادة بالقدر الكافي، وهذا ليس صعباً، بل توفيراً لدائرة استهلاك هي في غنى عنها.

في المجتمعات الحركية المحافظة ذات السمت الإسلامي فيه حالة تحدث وتزيد من المشكلة لا تحلها وهي أن الشاب في هذه المجتمعات الحركية يشعر أنه أفضل من الشباب غير الملتزم دينياً خارج هذه البيئة، فهو مناسب جداً كزوج مستقبلي ورأس ماله الرمزي يزيد في التواجد في بيئة تطوعية ثقافية تنموية.. إلخ، وتساعد الفتيات على ترسيخ هذا الانطباع لدى الشباب، وذلك لأن الفتيات أثناء تواجدهن في البيئات التطوعية يعتدن نمط حياة معيناً،

ولغة معينة ومناخاً للتطوع والنشاط الطلابي، فتجد البنت نفسها أمام خيارين؛ إما أنها تجد الرجل الذي يشبه اللغة والمناخ الذي تريده وتسعى للاستمرار فيه، والذي من الممكن أن يكون اعتياداً منها أكثر منه احتياجاً أصيلاً، وتكتشف أحيانا أنه ليس هو الرجل الحقيقي الذي يحمل هشاشتها، وتجد نفسها أكثر تحملاً لمسؤولية منه. هو نفسه ذلك الشاب الذي يبحث في لا وعيه عن والدته، أي امرأة تأتي بالطعام إلى حيث يجلس،

وتخبره "ذاكر يا حبيبي" بدون تكلفة منه ولا تحمل لأي عبء، ويعتاد أن يتذمر أحياناً على نوع الطعام أو مذاقه أو لا يرقى لمزاجه الآني، ويسقط ذلك التصور في لا وعيه على متطلبات الزوجة، التي ينبغي أن تكون بيضاء، وبها كافة المتطلبات الشكلية والعملية والمتناقضة.

أو تجد رجلاً آخر لا يفهم فعلياً ما الذي تتحدث عنه، ولا توجد لغة متشابهة ظاهرية بينهما، ولا يقدر عالمها التطوعي، الذي عرفت نفسها من خلاله، ولكنه يحمل سمات الرجولة ويتحمل المسؤولية أي "ابن بلد وجدع"، فلا تعطي له فرصة وتنفر في أول الأمر، أو تجده غير ملتزم دينياً، فتقف حائرة لا تدري ماذا تفعل.

أما الحديث عن المتزوجين الجدد أو العلاقات العاطفية التي تتولد في هذه البيئة، والغباء في التعامل معها وعدم تفهمها بتخلق وسط متأزم أكثر، وتحتاج لمزيد من الفهم والمواجهة الحقيقية. والفتيات عادةً يكتشفن بعد وقت قصير أن اللغة المشتركة، وحالة التشابه لا تُشفي فيهن الهشاشة، ولا تسد في احتياجات فتح بيت وأسرة، وقد تتحول العلاقة إلى مزيد من العبء على الطرفين.

هناك نظرة سخيفة يتم تعزيزها في المجتمعات التطوعية وهي السخرية من أن المتطوعين والمتطوعات لا يأتون بغرض الاستفادة أو الإفادة بقدر ما هو رغبة في البحث عن شريك حياة، ونجد حالة تبرير في المقابل أو صمت أو لمز أو انتقاد لكن لا يوجد أحد يحاول يجيب بصدق عن السؤال الجوهري، بعيدًا عن الحكم بالسخرية أو بالتصالح، لماذا يأتي الناس؟ هل لأجل الزواج والبحث عن شريك حياة؟.

أحياناً افترض أن هذه المجتمعات الحركية لعدم شجاعتها؛ لأنها بيئة لازم تحافظ على الصورة الظاهرية بالالتزام والتدين والمحافظة، في مواجهة الأسئلة أو التصريح بها بشكل جدي وحقيقي، تعيد إنتاج نفس المنظومة للطبقة الوسطى وتكرسها؛ لأنه جزء من نتاج هذه الثقافة ومنغرسة فيها سواء عن قصد أو من غير وعي، فساعدت على تفشي الظاهرة وتفاقمها دون إيجاد حل أو البحث عن حلول حقيقية لها، فلا توجد تجارب لحل الأزمة غير اللوم والتباكي أو الفراغ العاطفي واستهلاكه.

أخيرًا وليس بآخر؛ نحن جميعاً في منظومة مهلكة ومرهقة ومنهكة للجميع، ولكن ثمة مخرج يبدأ بصدق الإدراك والوعي بمن أكون وأين الخلل الحقيقي.

المواجهة تحتاج للإيمان الحقيقي، وليس رفضاً وتمرداً لمقولات واجترار مقولات في المقابل، والإيمان لا يكتسب بمجرد التواجد في بيئة وصحبة يبدو عليها الصلاح، الإيمان معركة يقين واستعانة بالله حقيقةً، وإرادة وصدق وهذا أصعب أمر ولكنه الأصل. التصديق ومجاهدة النفس ليقين "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَاْلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ، وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم بأن ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف. إنها معركة الإيمان بأنه "الحق".

الأمر ليس صعباً لو حقاً توفرت الإرادة والعزم الحقيقيان، لكن التعويل دائماً على الفتاة باعتبارها الأمان الوحيد للشاب، أو العكس، يولد خللاً في العلاقة مركزها قوامة الرجل، الذي لابد أن يدرك الخلل الذي هزه، وولد فيه الخوف. فالتعويل بشكل ضمني على أن البنت هي التي تقود الدفة، لا يقدم علاقات مساندة حقيقة، ولا يفتح بيوتاً سوية، فالجميع ضعف ويحاصره القلق والخوف، ولكن والود والتراحم والصدق هو الذي يسند الطرفين، اشدد به أزري وأشركه في أمري.

يغيب دومًا عن الأذهان أنه في حالة الفتاة يستطيع رجل واحد حقيقي، تجد في كنفه الحماية والطمأنينة والصدق، أن يعيد لها ما فقدته في غمار معركتها في المنظومة المجتمعية القاهرة لها، أما الرجل فلا تستطيع ألف امرأة أن تعيد إليه "رجولته" إن افتقدها.

عدم القطيعة مع الأهل، ولكن محاولة معرفة أنهم المعركة الأصلية، وأنه لابد من التقرب منهم وفهم معاناتهم بدون الاستسلام لخياراتهم، بدلاً من الهرب من مواجهتهم. فنحن في كل يوم نفقد أشياء لا تشترى، ولا يمكن تعويضها، منها التجمع على مائدة طعام واحدة.

النظر لمساحات حقيقة الزواج ومعنى العلاقة الأصيلة. ويثار في ذهني أسئلة عدة منها، لماذا رغم كل هذا الخلل الواضح في المجتمع، لا تظهر مشروعات لتخفيض تكلفة الزواج بمتطلبات بسيطة، مثل الاتفاق على ايجار مساحة صغيرة وبيت بسيط لا يشترط اكتمال تأثيثه، واستعادة العائلة مرة أخرى وطلب مساندتها ومساهمتها وتيسير المتطلبات، وعمل مشروعات تعين على تيسير هذا وخلق ثقافة القبول له في المجتمع، والترويج له في ظل حالة الجميع يعاني بشكل حقيقي ومنهم الآباء الذين ننتقدهم.

ختامًا، ليس كل ما سبق ملامح الأزمة، وليس جميع أفراد الجيل الأكبر غير متفهمين، وليس كل الجيل الصغير غير متفهم، وثمة نماذج عرفت كيف تتعامل مع هذا الوضع المتأزم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.