المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رضوان زروق Headshot

عالم صوفي.. جوستاين غاردر

تم النشر: تم التحديث:

تبدأ الحكاية عندما تجد "صوفي" في صندوق بريدها رسالة غير عادية، ليس عليها طابع بريدي ولا ختم مصلحة البريد، وبدون عنوان المرسل، فقط: صوفي أمندسون.

تحمل هذه الرسالة سؤالين اثنين ودون سلام ولا مقدمات: من أنت؟ ومن أين جاء العالم؟

ترتكز رواية "عالم صوفي"، الممتعة والمفيدة والمسلية في آن واحد، على ثلاثة أسس في اعتقادي:
1- الدرس الفلسفي.
2- طرق التعليم الحديثة.
3- التاريخ.

صوفي ذات الأربعة عشر ربيعاً، التي تعيش حياة عادية مثل زميلاتها في المدرسة، تتلقى هذه الرسالة -في بادئ الأمر- ببساطة، لكن سرعان ما تلتمع بذهنها أفكار وأسئلة تحيرها وتجعلها تخطو أول خطوة لها في عالم المعرفة الفسيح.. آه! لقد نجح المرسل "المجهول" في إرغامها على التفكير.. ويبدأ الدرس الفلسفي.

هذه الرواية -عن تاريخ الفلسفة- هي ثمرة لفكرة أب "والد هيلد" يحب ابنته كثيراً، قرر أن يهديها في عيد ميلادها الخامس عشر هدية ليست ككل الهدايا، يكفيها دمى وشوكولاتة وملابس وعرائس.

تحتاج هدية تليق بسنها ومستواها الفكري ونضجها النفسي الذي بدأ يتفتق.. تحتاج شيئاً تشاركه أصدقاءها وصديقاتها، بل تحتاج ما تشاركه البشرية جمعاء في الماضي والحاضر.. تحتاج الفلسفة.

لقد نجح "غاردر" في عرض المسائل الفلسفية الصعبة والشائكة بشكل مبسط وسلس، في حوار واقعي مع صوفي، مراعياً التسلسل التاريخي لنضج العقل البشري -كما هو تاريخ الفلسفة- من البسيط إلى المركب، والمفتاح السحري: السؤال.

منارات من الرواية:
* الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، يبقى في العتمة... "غوته"
* إن الميزة الوحيدة اللازمة لكي يصبح الإنسان فيلسوفاً جيداً هي قدرته على الدهشة.
* الأكثر ذكاء هي التي تعرف أنها لا تعرف.
* السماء المضاءة بالنجوم فوق رأسي، والقانون الأخلاقي في داخلي.. "كانط"
* إنما يتجه الطريق السحري نحو الداخل.
* نحن أيضاً غبار نجوم.

محطات هامة في الرواية من تاريخ الفلسفة
فلاسفة الطبيعة.. عصر النهضة.. عصور التنوير.. الرومانسية.. الحقبة المعاصرة.
"الفلسفة ليست شيئاً يمكن تعلمه وإنما يمكن تعلم التفكير بطريقة فلسفية" هذا ما استنتجته صوفي.

عندما تنهي قراءة "عالم صوفي" تكتشف ما يلي:
لقد استطاع الكاتب باقتدار، من خلال شخصيات متخيلة: هيلد ووالدها.. صوفي وأمها وصديقاتها.. ألبرتو (أستاذ الفلسفة)، وأخرى واقعية وتاريخية: الفلاسفة، المفكرون، العلماء والمبدعون، استطاع تقديم الدرس الفلسفي بشكل ناجح من خلال عرض يستند على السياق التاريخي للأحداث، آخذاً بعين الاعتبار المستوى الثقافي والنفسي والعقلي لصوفي -مرحلة المراهقة- معتمداً أسلوباً يرتكز على الاستفزاز الإيجابي والتحدي المعرفي للتحريض على التفكير، مستنجداً بوسائل بيداغوجية حديثة:
السرد - الحوار - السؤال، وتأجيل الإجابة عنه لإعطاء الفرصة للمتعلم للتفكير والبحث.
الأمثلة - التشخيص: دروس في كنيسة قديمة وأخرى في مقهى فرنسي.
المراسلة عبر البريد - فيديو عن أحداث تاريخية، وغير ذلك.

إنها خلطة عجيبة مكنت "صوفي"، ونحن معها، من الاستمتاع بالدرس الفلسفي دون ملل، معززاً بأمثلة وحقائق ونظريات علمية قديمة وحديثة (الجاذبية - النسبية - التطور - نشأة الكون) في حرب لا هوادة فيها على التخلف والجهل والعادة.

مرة أخرى، لقد نجح النرويجي جوستاين غاردر، أستاذ الفلسفة وكاتب قصص الأطفال، في إيصال رسالته إلينا: لا تبخلوا على أطفالكم بالعلم والمعرفة.. المدرسة وحدها لا تكفي.

أتمنى صادقاً أن تلتقوا صوفي -ذات يوم- وتدعوكم إلى كوخها الذي يتوارى في الحديقة خلف المنزل كما فعلت معي، وبعيداً عن الأعين، يبدأ الدرس الفلسفي الشهي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.