المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زكريا محمد علي Headshot

علاقة الفكر بالواقع

تم النشر: تم التحديث:

كان الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632- 1704) متخصصاً في الطب في زمن طغيان العقلانية في القرن السابع عشر، وهذا منحه ميزة التفكير الواقعي، حيث يقتضي تشخيص المرض ملاحظة واختباراً يتجاوز التصور الذهني والتحليل العقلي المجرد، وارتبطت نظرية المعرفة في أطروحاته بالاشتباك مع الواقع، فكل ما هو واقعي هو حقيقي.

لم ينشغل جون لوك بمحاولة معرفة ماهية العقل البشري وانشغل عوضاً عن ذلك بتحليل كيفية حدوث عملية الفهم لدى الإنسان، وذلك عن طريق التركيز على خصائص العقل البشري كالإحساس والتصور والخيال، وتتبع العمليات الذهنية التي تمر بها الأفكار البسيطة وهي: الإدراك الحسي، الاستبقاء، المقارنة والدمج، وأخيرا التجريد.

وقام بتصنيف الأفكار المعقدة طبقا لمادتها وأشكالها وعلاقاتها؛ فالمواد تشير إلى الأشياء الموجودة في الواقع، والأشكال تشير إلى الطرق التي تمارس الأشياء حضورها من خلالها، والعلاقات تشير إلى خصائص متداخلة أخرى كالمقارنة بين الأشياء من حيث جهة تواجدها ومقدار أوزانها.

تتشكل الحقيقة لدى جون لوك حسب مفهوم "اللوحة الفارغة"، فالإنسان يولد بذهن خال من المعلومات والخبرات، والحقيقة تجد سبيلها إلى عقله عبر قنطرة الحس والتجربة، وممارسة الإنسان للحياة هي المصدر الأساسي لتكوين معارفه وأفكاره، فلا صحة لمفهوم "المثل" التي يعيد الفرد اكتشافها عن طريق التعلم كما يدعي أفلاطون، كما أنه لا دليل على وجود "بدهيات" يتحصل عليها العقل ابتداء كما يزعم ديكارت.

رفض جون لوك اشتمال العقل على "معارف فطرية" بحجة تعدد الخبرات البشرية، فما هو فطري في نظر مجموعة من الناس ليس كذلك في نظر مجموعة أخرى، والصواب أن العقل يشتمل على "قدرات فطرية" تظهر تجلياتها في فاعلية الذهن حين يقوم بالربط بين الأشياء والتركيب بين المدركات، وبهذه الطريقة يكتسب العقل خبراته وينتج مفاهيمه حول العلاقة والسببية والجوهر والأعراض والأحوال.

"المفهومية" مبدأ فكري راديكالي شاع في القرن السابع عشر ويتلخص بأن "أية فكرة يمكن تصورها في الذهن بأنها عقلانية؛ فإن وجودها على أرض الواقع يعتبر أمرا لازما"، رفض جون لوك هذا المبدأ، لأن التوصل إلى الحقائق لا يكون عن طريق الذهن فقط، وإنما عن طريق الحس أيضا، فالتجريد يساعد العقل على الإمساك بتلابيب فكرة ما، ولكن مطابقتها للحقيقة إنما هو مرهون باختبارها على أرض الواقع، و"المفهومية" تعتبر أقصر الطرق إلى مساوئ التحليل الانطباعي.

"التحليل الانطباعي" أسلوب في التفكير ينزع إلى التركيز على العناصر السطحية عند النظر إلى أي ظاهرة إنسانية: سياسية، اجتماعية، اقتصادية.. إلخ، ‏ويوهم هذا التحليل أصحابه بقدرة ذهنية على استيعاب الملامح الرئيسية للظاهرة موضع النظر، والتمييز بين مقدماتها ونتائجها والتأثير المتبادل بينهما.

‏التحليل الانطباعي هو السبب في شيوع الأفكار المعلبة والمقولات النمطية والاستعمال التقليدي اللاموضوعي للمنطق بنوعيه: الاستنتاجي والاستقرائي، حيث يؤدي ‏الخطأ في المنطق الاستقرائي إلى خلل "تصوري" في رؤية الواقع، بينما يؤدي الخطأ في المنطق الاستنتاجي إلى خلل "مفاهيمي" عند التفكير في الواقع.
‏‏التحليل الانطباعي يشوه الفكر، ويضعف ملكة النقد، ويعرض الوعي للاستلاب، ويقضي على إمكانية التواصل الخلاق مع الآخر، ويجعل الإنسان رهينة للأيدولوجيا!

يشير المفكر الإنجليزي فرانسيس بيكون (1561 - 1626) أن لكل إنسان كهفا خاصا به يعمل على تحريف أضواء الطبيعة وتغيير ألوانها، وهذا الكهف هو مزاجه وطبعه كما كونته الطبيعة أو حالة جسمه وعقله، فبعض العقول تنزع إلى التحليل وترصد أوجه الخلاف والتباين، وبعض العقول تتميز بالبناء والتركيب وترى أوجه الشبه والتوافق.

وبعض العقول تميل كثيرا إلى تقدير كل ما هو قديم، وبعضها تحتضن بحماس كل أمر جديد، والقليل من يستطيع الاحتفاظ بالحد الأوسط فلا يقضي على ما أوجده الأقدمون من أمور صحيحة ولا ينظر بعين الاحتقار إلى الاختراعات النافعة الجديدة، فالحقيقة لا تعرف تحيزا أو تحزبا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.