المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زكريا محمد علي Headshot

الأخلاق والحرية.. وجهاً لوجه

تم النشر: تم التحديث:

لا يوجد كائن مثل الإنسان من حيث قدرته على اكتساب وعي يجعل إرادته متوافقة مع ما يمليه عقله، فالإنسان ليس مجبولا على التصرف وفق الدافع الطبيعي المجرد من ناحية، وليست لديه حصانة مطلقة من النزوات والاندفاع اللاعقلاني من ناحية أخرى، ولهذا السبب برزت أهمية اجتراح مبادئ لترشيد سلوكه، ومعرفة الكيفية التي يتعين عليه التصرف وفقها عندما يكون الاختيار في وسعه.

ولكن كثيرا ما نتساءل عن الطريقة المثلى التي ينبغي أن يتعاطى بها الإنسان في نظرته لفلسفة الأخلاق والقيم.. ما هو المقياس الذي يمكن الاعتماد عليه بلا تردد؟ وما الذي يحدد وجاهة حكمنا لدى محاولتنا تقويم سلوك معين بأنه صحيح أو خاطئ؟

وما العمل إذا كانت المسألة الأخلاقية تخص صاحبها لوحده ولا تعني أحدا من العالمين غيره؟ وإذا أردنا معرفة المعيار المناسب للحكم على تصرف ما بأنه مبرر أخلاقيا؛ فهل نلتفت إلى الباعث والمقصد أم نكتفي بالنظر إلى الغاية والنتيجة؟

اختلف فلاسفة الأخلاق -العقلانيون والتجريبيون- في الإجابة على التساؤلات المطروحة أعلاه؛ والسبب في اختلافهم هو تنازعهم في تحديد المصدر الأصلي للأخلاق.. هل هي مبادئ فطرية يولد بها الإنسان أم أنها نتيجة خبرات يكتسبها من محيطه الاجتماعي؟

وترتب على هذا الاختلاف تباينهم في تحديد معايير الحكم على تصرفات البشر؛ فذهب العقلانيون إلى اعتماد الباعث "الغرض" في تقويم السلوك الإنساني حيث لا عبرة بالمنفعة التي ترتبت ابتداء على نية سيئة، بينما ركز التجريبيون على النتائج الإيجابية للسلوك بغض النظر عن سوء الباعث الأصلي.

انعكس هذا الاختلاف على التشريعات القانونية؛ فالباعث الحسن لا يؤثر في الحكم القانوني على سلوك مدان، لكنه يؤخذ بعين الاعتبار حين تحديد العقوبة، وتتحدد تبعاً لذلك قواعد اللعبة في قاعة المحكمة، فالادعاء يصر على إدانة المتهم بالنظر إلى النتائج المرفوضة لأفعاله بينما يتذرع الدفاع بحسن نواياه!

والاختلاف في مفهوم الأخلاق يفسر الكثير من المفارقات.. كالاضطراب في مفاهيم العدالة (تفشي العنصرية في مجتمعات متحضرة)، والأيدولوجيا في ممارسة السياسة (مشاريع الاستعمار بقيادة دول ديمقراطية)، والصراع الحضاري بين أتباع الأديان (حملات التنصير تحت إشراف حكومات علمانية)، بالإضافة إلى الكيل بمكيالين فيما يخص ملفات حقوق الإنسان (التدخل لإيقاف الإبادة العرقية في البوسنة والسكوت عن مذابح رواندا)!

يلعب مفهوم الحرية دورا مركزيا في غالبية فلسفات الأخلاق بوصفها شرطا سابقا لأي فعل نقدي، فبدون الحرية لا يمكن للأساس العقلي للفلسفة الأخلاقية أن ينشأ، ومنظومة القيم لا تتشكل إلا عند توفر الحد الأدنى من الحرية، والقسر والإكراه لا يجعل إرادة الإنسان مستقلة بالقدر الذي يجعل سلوكياته متناسقة مع معتقداته، والدولة التي تفرض رؤيتها الأخلاقية بالقوة ستظل عاجزة عن إنتاج مواطنين صالحين، يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: "الويل كل الويل لصاحب السلطة الذي يصدر تشريعات لغايات أخلاقية متوسلا القسر والإجبار". ويقول باروخ إسبينوزا: "القوانين التي تحرم الفكر الحر تجعل الناس يفكرون في شيء ويقولون شيئا آخر، مما يؤدي إلى إفساد الاعتقاد الطيب وتشجيع الغدر والخيانة".

ترتبط المنظومة الأخلاقية لدى الإنسان ارتباطا كليا بحريته بوصفها "الكيفية التي يختار بها قيوده"، ولذا فإن فضائل الإنسان تتحدد بقدرته على التحكم بنوازعه الداخلية بطريقة لا تفسد عليه التوازن النفسي أو تفتك بسلامة ضميره الباطني الذي يحفظ له آدميته.

يختلف كل إنسان عن غيره في هذه الدنيا اختلاف بصمات أصابع البشر في طبيعة السلوك والأفعال ونمط الحياة الذي يمنحه الفرح والسرور، ومركزية الإنسان في الوعي الحديث فتحت مجالا واسعا للنقد والتصحيح وإعادة النظر في الكثير من المقولات التي تشكل الأساس الفلسفي للعقائد والأفكار والأيدولوجيات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.