المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زكريا محمد علي Headshot

السعادة.. حروف وأفكار

تم النشر: تم التحديث:

يقول المفكر المصري زكي نجيب محمود: "الفيلسوف وحده هو الذي يستطيع أن يتغلب على شقاء الحياة لأنه تخلص من قيود الرغبة والهوى فتمكن من رؤية الأشياء على حقيقتها المجردة"، وبما أن السعادة هي الحالة التي ينعدم فيها الألم فقد ذهب أرسطو إلى أن "الحكيم لا يجوز له أن يبحث عن السعادة، بل يجب عليه أن يسعى وراء التخلص من آلامه"!

التأمل في صخب الحياة واضطرابها يجعلنا نتعجب من عمق انشغال الإنسان بتلبية مطالبها وإشباع حاجاتها، فهو يستنزف كل قواه في توفير متطلباتها التي لا تنتهي وفي التخفيف من معاناتها التي لا حدود لها، تلك المعاناة التي جعلته يفكر بجدية في وضع حد نهائي لأوجاعها بدلا من الصبر إزاءها لفترة قصيرة من الوقت، خصوصا بعدما ساهمت الحضارة الحديثة - بصورة غير مقصودة - في تدمير "المعنى التقليدي" الذي توارثه الإنسان منذ مئات السنين عن الغرض الأساسي من وجوده على ظهر هذه الأرض.

الإحصاءات العالمية تشير إلى أن هناك ما يقرب من مليون شخص حول العالم يموتون كل عام بسبب الانتحار، فضلا عن وجود عشرين مليون محاولة انتحار فاشلة! وفي إحدى الدول أصبح الانتحار إحدى الأسباب الخمسة الرئيسية للوفاة، وغالبا ما يواجه المحققون الطبيون صعوبة شديدة في تأكيد الوفاة الناتجة عن الانتحار.

ومن الملاحظ أن هذه الظاهرة تقل بين النساء والمتزوجين والفقراء والأميين ومن يقيمون في بيئات مضطربة، وتتزايد عند الرجال والعزاب والمتعلمين ومن يعيشون في ظل أوضاع اجتماعية مستقرة وظروف اقتصادية ممتازة!

وتعتبر نسبة الانتحار مرتفعة بين المسيحيين (خصوصا البروتستانت) ومنخفضة بين المسلمين وشبه منعدمة بين اليهود (ولا يزال الاستثناء اليهودي لغزا حير علماء الاجتماع حتى الآن!).

يذكر الدكتور مصطفى حجازي في كتابه الممتع (إطلاق طاقات الحياة) أن اليأس والإحباط الذي يواجهه الإنسان في المجتمع الحديث يمكن التخفيف منه بالانتقال إلى مشاريع تربوية تتوسل التفكير الإيجابي وتستعين بمثلث الأمل الفاعل (أهداف محددة - تفكير وسائلي خلاق - تفكير تدبيري يولد دافعية قوية) من أجل تجاوز غربة الذات.

ويؤكد في ذات السياق على أهمية استغلال مكتسبات العولمة الكونية في ترويج ثقافة الإنجاز، والتي تتطلب بناء الاقتدار الإنساني على الصعيد الشخصي (اللياقة الجسدية ومتانة الذات) والصعيد المهني (الكفاءة والتمكن من المعرفة) والصعيد الاجتماعي (الذكاء العاطفي ومهارات الاتصال) وأيضا على الصعيد النفسي "بالارتباط بقضية سامية كمشروع حضاري شخصي تمنح الحياة سحر المعنى وتحقق الامتلاء الوجودي للذات الفردية".

ويورد الدكتور حجازي في كتابه المذكور أعلاه تفاصيل مشروع أنجزه أحد كبار رواد علم النفس الإيجابي - واسمه البروفيسور مارتن سليغمان - حيث قام بإنشاء دليل علمي للفضائل ومظاهر القوة الإنسانية في مقابل الدليل الموجود لتصنيف الأمراض والاضطرابات النفسية.

وقام برد الخصال الإنسانية الجيدة إلى ست خصال أساسية يتفرع كل منها إلى أربعة مظاهر للفضائل النفسية، في محاولة جادة لتغيير التقاليد العلاجية لدى الأخصائيين النفسيين التي تقتصر على العلاج الظرفي للاضطراب النفسي بدلا من إلقاء الضوء على منابع القوة والخصال الإنسانية الجيدة، والتي تصلح مرتكزا قويا لإطلاقات الطاقات الإيجابية لدى الإنسان.

وبأسلوب سردي جميل يقوم الدكتور حجازي بلفت أنظارنا إلى أن الحياة تتميز بعناد عجيب ضد جميع عوارض الفناء والدمار، فعندما تتغير فصول السنة تقوم النباتات باستبدال لحاء أوراقها التي تتساقط من أغصانها ولكنها لا تلبث أن تزهر من جديد بمجرد حلول فصل الربيع، تغير بعض الحيوانات جلودها وتقوم بتعديل سلوكها حتى تستطيع التكيف مع ظروف بيئاتها المتقلبة.

وحتى أجسادنا تقوم بتغيير الخلايا التالفة ومحاربة الجراثيم وتخثير الجروح وعدم الاستسلام لكثير من الأمراض، وترى الطفل الصغير في أحضان أمه يصارع الحياة من أجل أن يمشي على قدميه ومن أجل أن يتعلم فضيلة الكلام، بل ويُتعب نفسه في اكتساب المهارات التي تجعله قادرا على مواجهة الحياة باستقلالية تامة.

اندفاع الطاقات الخلاقة هو إكسير الحياة الداخلي الذي يضمن استمرارها، ويبدو أن هناك قانونا "وجوديا" يجعل الحياة تعطي أجمل ما لديها لمن ينشط في استثمار طاقاته الحية لمواجهة الصعاب ومشاق الحياة وصولا إلى تحمل مسؤولية الوجود وصناعة المصير الشخصي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.