المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زكريا محمد علي Headshot

هل للأخلاق علاقة بالدين؟

تم النشر: تم التحديث:

إيمانويل كانط (1724-1804) فيلسوف ألماني عظيم تُعتبر أفكاره ومفاهيمه ذات تأثير هائل على الوعي الإنساني المعاصر، وذلك حينما لفت انتباه المفكرين إلى أن المعرفة - بالمعنى الأبستمولوجي - لا يتم وعينا بها بصورة سليمة إلا عن طريق استعمال العقل فيما يمكن التفكير فيه؛ وتحقق ذلك يستلزم التمييز بين "الحقائق" و"المعتقدات" وتجريد الذهن من المسلمات القبلية والفرضيات المسبقة التي تعيق قدرة العقل على الإدراك السليم.

فالمعرفة لا تتعلق بماهية ما يقوم العقل البشري بالاشتغال عليه وإنما تتعلق بالنطاق الذي يمكن لهذا العقل أن يمارس فيه نشاطه بالكيفية التي تتناسب مع قدراته، ومن هنا أصبح بمقدور العقل أن يشرع التأصيل الفلسفي لإمكانية الدين "الأخلاقية" بشكل مجرد في الطبيعة البشرية.

حاول كانط الإجابة عن السؤال الإشكالي المتعلق بكيفية اشتغال إرادة مستقلة للإنسان في عالم محكوم بإكراهات الواقع المتعين بظروف الزمان والمكان، وذلك بوضع حد فاصل بين عالم الظواهر المحسوسة وبين عالم "الشيء في ذاته"، فقوانين الفيزياء تمارس سلطانها على عالم الظواهر المحسوسة، بينما تتحكم الإرادة المستقلة للإنسان في عالم "الشيء في ذاته" الذي يمارس فيه الفعل الأخلاقي مشروطا بمبدأ الحرية.

هذا التمييز الذي أوجده كانط بين عالم الظواهر وعالم "الشيء في ذاته" أكد التباين الحاصل بين الفضيلة والسعادة، فالعلاقة بينهما ليست سببية، وسلوك طريق الفضيلة لا يستلزم تحقق السعادة، ما استدعى استحضار مفهوم "الخير الأعظم" كمحرك للإنسان نحو السعادة كغاية مطلوبة بعينها.

المنهجية الصارمة التي اتبعها كانط في نقد المعرفة البشرية أفضت إلى تدشين فلسفة الأخلاق على أساس عقلي، وبناء على جوهرية العقل لدى الإنسان كآلة للتمييز بين الخير والشر فإن الأخلاق "لا يمكن إلا أن تكون غاية في ذاتها"، والأخلاق لا تمارس فاعليتها إلا في وسط اجتماعي يستدعي ضرورات الاستجابة لنداء الواجب، هذا الواجب يرتبط بـ"الإرادة الطيبة" لدى الإنسان والتي يراها كانط متماهية مع العقل، يقول كانط: "الشيء الوحيد الذي يراه الناس خيراً بلا قيد هو الإرادة الطيبة".

وغالباً ما يعترض عقل الإنسان - في رحلته الطويلة للوعي بالعالم من حوله - إلحاح شديد بالغاية النهائية لوجوده على هذه الأرض، وتبدو تلك الغاية في ترابط عضوي مع رغبة باطنية لتحقيق السعادة، وبما أن منظومة القيم - كما يراها كانط - منبعها الإنسان فقد تولدت حاجة قصوى إلى ربط إرادته "الطيبة" المتعلقة بأداء واجباته الأخلاقية بغاية كبرى تمكنه من إضفاء معنى كلي، هذا المعنى عبَر عنه كانط بقوله: "إن الأخلاق تقود على نحو لابد منه إلى الدين، وعبر ذلك هي تتوسع إلى حد مشرَع خلقي تكمن في إرادته تلك الغاية النهائية لخلق العالم".

ويثني إيمانويل كانط على الأديان جميعها ويصف الدين الإسلامي بأنه "دين شجاع"، ويقول في كتابه (الدين في حدود مجرد العقل) ما نصه: "إن المحمَديين إنما يعرفون كيف يمنحون وصف فردوسهم - المرسوم بكل شهوة حسية - معنى روحياً حقاً"، ونقد الفكر الديني لا يقتضي إقصاءه وإنما إيضاح "الاستعداد للدين الخلقي المطمور في صلب العقل البشري".

لكن كانط يؤكد أن الحاجة إلى الدين "فكرة تنبع من الأخلاق وليس أساسا لها"، فالمتدين ليس بالضرورة صاحب خلق بل الصحيح هو العكس تماما (أي: أن كل صاحب خلق هو متدين)، والوعي الكامل بالحرية كشرط مسبق لأي التزام أخلاقي يجعل صاحب الخلق قادرا على منح غاية نهائية لوجوده، ولهذا السبب يأتي تدين صاحب الخلق انتصارا وتعزيزا لمفهوم الحرية وليس تنكرا أو جحودا بها، والخير أو الشر ليس شيئا كامنا في طبيعتنا وإنما نتيجة حتمية لكيفية استثمارنا لحريتنا وتكوين قناعاتنا، فـ"العبادة الصحيحة ضرب من الاحترام الحر لقداسة نابعة من حاجة خلقية في طبيعتنا وليس من خوف كسول من المجهول".

العقل ليس في حالة خصام مع الدين ولكنه - عند كانط - يـُعتبر "دائرة أوسع للإيمان، ينطوي في ذاته على الآخر بوصفه، أي: الدين، دائرة أضيق من الأولى"، هذا التأكيد الحاسم على اشتمال العقل على الدين وليس العكس هي محاولة من قبل فيلسوف الأخلاق الأعظم لرفض مبدأ الوصاية، فهو لا يرفض الدين بمعانيه السامية المتعالية ولكنه يرفض إخضاعه للخرافة وممارسة الرهبانية، ودفاعاً عن حرية الفكر في وجه الكهنوت يوجه كانط تحذيره لرجال الدين التقليديين قائلاً: "إن ديناً يعلن الحرب على العقل من دون تفكر في العواقب، سوف لن يتمكن مع طول المدة من الصمود أمامه"!.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.