المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زكريا محمد علي Headshot

الصراع على الله

تم النشر: تم التحديث:

تصور الإنسان عن الله -في الغالب- هو تصور ذاتي وليس موضوعيا، فالله لدى السادي أوالفاشي أوالمتشائم ليس هو الله لدى المازوخي أو المتسامح أو المتفائل، ولهذا السبب لا يمكن لأتباع أي دين يتحدث عن الله في نصوصه أن يتفقوا على وصف موضوعي واحد وإلا لما حدثت الخلافات العقائدية، فالانشقاقات داخل المسيحية والإسلام ترتد بجذورها إلى اختلاف أساليبهم في تصورهم لله، فهناك من يأول وهناك من يعطل وهناك من يشبه!
المفهوم اللاهوتي لله لدى الكاثوليك يتناقض مع البروتستانت، ومفهومه لدى الأشاعرة يتعارض مع المعتزلة، والكل يحتج بدلالة اللغة، ولو كان التصور الموضوعي لله ممكنا لما تكاثرت الفرق وتنازعت الملل، ولما اقتتل البشر باسمه بكل هذه الوحشية!
التصور الموضوعي هو ما يمكن قياسه وتعريفه بمنأى عن تأثيرات الذات بشكل مطلق وهو منحصر في المدركات الحسية، الإدراك الحسي إدراك لاإرادي مباشر موجود بوجود الإنسان لأنه مطابق للواقع وينتج عنه معرفة قطعية يتشاركها البشر، وهو يختلف عن الإدراك العقلي الذي يتوسل التحليل والتعليل من أجل فهم الواقع وهنا تتعذر الموضوعية المطلقة.
عند الإشتباك مع الواقع ينتج الإدراك الحسي معرفة قطعية لا تستلزم التحليل لمطابقتها للحقيقة (الإحساس بالحرارة والبرودة ) بينما ينتج الإدراك العقلي معرفة ظنية تتناسب مع الخبرة المكتسبة من التعامل مع الواقع تتراوح بين البساطة والتركيب.
الإدراك الحسي مستوياته واحدة ومباشرة بينما يمر الإدراك العقلي بمراحل مختلفة حسب التطور الإنساني، والدماغ يترجم المحسوسات إلى مدركات يستجيب لها بطريقة لا إرادية لكن هذا لا ينطبق على المعقولات، فالطفل لا يشعر بخطر السم لأنه لا يدركه إدراكا عقليا بخلاف الشخص البالغ، والعدم مفهوم ذهني يتم تصوره في العقل دون توفر وسيلة حسية تدل عليه وكذلك الوجدان والضمير، ومتى أصبح الشيء خارج إطار الإدراك الحسي فإن تصورنا له سيظل في دائرة نسبية نتيجةً لاختلاف عقولنا وأفهامنا.
يشير الدكتور عبدالمجيد الشرفي أن دلالة كلمة "الله" في اللغة تتحدد في الغرض من استعمالها حسب سياق الكلام ووضعية المتكلم، فالله في الفقه وأصول الدين هو الشارع الحكيم، وفي الفلسفة وعلوم الحكمة هو العلة الأولى، وفي التصوف وعلوم العرفان هو الواحد، ولكن المشكلة أن كلمة "الله" يستعملها الجميع عادة دون تحديد سابق لمعناها أو لما يقصده المتكلم من استخدامه لها، بل إن لفظ "الله" ينطوي على تناقض داخلي عند استخدامه بوصفه مادة لغوية لتحديد المعاني أوالتصورات.
الاختلاف في التصور الموضوعي لله لا يتعارض مع الإيمان به ولكنه يفسر الاختلاف الملحوظ بين إيمان الفقهاء وإيمان المتصوفة وإيمان المتكلمين وإيمان الفلاسفة، فوجود الله لدى الإنسان حاجة وظيفية وليست شأنا معرفيا يمكن حسمه، ويبدو ذلك واضحا إذا انتقلنا إلى مستوى الحس الشعبي - كما يؤكد د. حسن حنفي - لنجد أن الله عند الجائع هو الرغيف، وعند المستعبد هو الحرية، وعند المظلوم هو العدل.
اللغة - كما يقرر صاحب كتاب (التراث والتجديد) - هي مجرد حامل للمعنى (والمعنى مستقل بالضرورة) والتعبير عنه ممكن بأي لفظ آخر ينتمي لثقافة مختلفة في أي عصر آخر، ولما كان "الله" لا يمكن تصوره فكيف يمكن التعبير عنه بلغة قائمة على التصور؟ والتصور الذهني بعد سماع لفظ "الله" بوصفه وجودا كليا لمطلق أزلي خالد هو مجرد ادعاء بشري لأن لفظ "الله" لا يساوي معناه بأي حال، ولهذا السبب أصبح التصور التنزيهي الكامل للذات الإلهية أمرا في غاية الصعوبة بحكم حسية اللغة، يقول الدكتور نصر حامد أبوزيد: "الموجود اللامتناهي يصعب التعبير عنه بلغة الحس المتناهية"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.