المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زكريا عبدالفتاح الشحيمي Headshot

قُتِلَ علي عبد الله صالح.. أيها المتشبّثون بالحكم.. إليكم هذه القصة

تم النشر: تم التحديث:

أيها الحكام والطغاة.. قُتِلَ صاحب السياسات المتناقضة، قُتِلَ الحليف الذي ما كان يأمنه أحد، قُتِلَ، علي عبد الله صالح، الرئيس اليمني السابق، قُتِلَ على يد الحوثيين، وهو مَن دَعَّمهم عند نشأتهم، ثم حاربهم حرب الولاءات والمصالح، حاربهم حرباً امتدت لسنوات، ثم قامت ضده ثورة في بلاده أدت إلى خلعه، ثم تحالف مع عدو الأمس من الحوثيين المدعومين من إيران وحزب الله؛ ليقاتل ضد التحالف العربي، ثم مؤخراً انقلب على حلفائه من الحوثيين معلناً استعداده التحالف مع المعسكر العربي ضد الحوثيين، وما هي إلا أيام قليلة، بعد إعلانه ذلك، حتى قتله الحوثيون.

أيها الحكام الطغاة، يا من تقتلون شعوبكم حرصاً على السلطة، يا مَن تنهبون ثروات شعوبكم رغبة في الغنى الفاحش، يا من جَوَّعتم شعوبكم، يا مَن تحالفتم مع أعدائكم ضد مصالح أوطانكم وشعوبكم.. بعد مقتل علي عبد الله صالح، إليكم هذه القصة، فاعتبروا.

كان في الأزمنة الخوالي، مَلِكٌ من ملوك بني إسرائيل، هذا الملك رزقه الله طولَ عمر وكثرة أولاد، فكان كلما أنجب ولداً، وشبَّ الولد عن الطوق، أي صار شاباً يعتمد على نفسه، فكان يلبس ثياباً من الشعر، ثم يمضي ليسكن في الجبال دون رفيق ولا متاع، فكان يأكل من خشاش الأرض، ويظل على هذه الحال حتى يموت.

ظل الملك على هذه الحال، فكلما رزقه الله بولد، فعل هذا الأمر، حتى لم يبقَ له ولد.

وبعد أن مرَّت السنون، وكبر الملك وتقدمت سنه، رزقه الله بولد، فخشي الملك عليه، خشي أن يفعل ما فعله إخوته من قبل، فيذهب إلى الجبال إذا كبر. فما كان إلا أن جمع رعيته ليخطب فيهم ويقول: أيها الناس، إني أخشى على ولدي هذا من أن يتبع سُنة إخوته إذا كبر، وأخشى أن أموت وليس مني ولد يخلفني بعدي فيكم، وأخشى أن تهلكوا، ثم طلب منهم أن يحيطوا الولد باللهو واللعب، وأن يحبِّبوا إليه الدنيا.

فبنوا له حائطاً فرسخاً في فرسخ، وأحاطوه باللهو واللعب، وصاروا يحببونه في الدنيا. فلما كبر الولد وشبَّ عن الطوق، ركب جواده فسار به حتى وجد حائطاً، فسار بجواده تجاه الناحية الأخرى، فقابله حائط آخر، وهكذا وجد في الجهات الأربع.

نادى الولد خدمه ورجاله، وقال لهم: أظن أن خلف هذا الحائط عالماً وناساً، فأخرجوني لأزداد علماً وأخالط الناس. فذكروا ذلك للملك، الذي فزع فزعاً شديداً وقال لهم: أحيطوه بكل لهو ولعب وحبِّبوا إليه الدنيا، ففعلوا.

فلما كان في العام التالي، ركب الولد جواده وانطلق نحو الحائط، فقال: إن خلف هذا الحائط عالماً وناساً ولا بد أن أخرج، فلما علم أبوه أنه لا بد من خروجه، أمر رجاله، فأَرْكبوه ركوبة وزينوها بكل زينة مبهرة، وأحاطوه بالناس، وصاروا يهتفون له ويثنون عليه، حتى يشغلوه عن ملاحظة العالم الخارجي.

فلما خرج الولد محاطاً بموكبه الفخم، نظر فرأى رجلاً مبتلى، فقال لمن معه: من هذا؟، قالوا هذا مبتلى، قال أيكون البلاء على ناس دون ناس، أم هو عامٌّ علينا جميعاً؟. قالوا بل هو عام علينا جميعاً. قال: أيأتيني على ما أنا فيه من السلطان؟ قالوا: نعم. قال: إن هذا عيش كدِر.
فرجع مغموماً مهموماً، فذكروا ذلك لأبيه الملك. فقال لهم: أحيطوه بكل لهو ولعب حتى ينسى حزنه وهمه، ففعلوا.

فلما كان في العام التالي، خرج بنفس الأبهة التي خرج عليها في العام الماضي. فإذا به يرى رجلاً عجوزاً يسيل لعابه من الكِبَر، فقال: من هذا؟. قالوا: هذا عجوز بلغ من الكبر عتياً. قال: أهذا على ناس دون ناس، أم علينا جميعاً؟ قالوا: علينا جميعاً، فقال: إن هذا عيش كدر، ثم عاد مغموماً مهموماً، فأحاطوه باللهو واللعب.

فلما كان في العام الثالث، خرج بنفس الأبهة التي كان عليها في المرات السابقة، فإذا به يرى رجلاً محمولاً على نعش. فقال: من هذا؟ قالوا: ميت. قال: أنزلوه، فأنزلوه، قال: أجلسوه، قالوا: إنه لا يجلس، قال: كلموه، قالوا: إنه لا يتكلم، قال: وماذا تفعلون به؟ قالوا: ندفنه في التراب، قال: وماذا يكون بعد ذلك؟ قالوا: يكون الحشر، قال: وما الحشر؟ قالوا: يوم يقوم الناس لرب العالمين، فيُجازَى الصغير والكبير بما عملوا. فلما علم ذلك، رمى بنفسه من فوق جواده وعفر وجهه بالتراب، وقال: هذا الذي كنت أخشاه، لقد كِدتُّ أموت ولا أعلم شيئاً من هذا، فركبه الحزن الشديد والهم، ثم قال: سألبس ثياباً من الشعر وألحق بالجبال. قالوا: لا ندعك تفعل ذلك حتى نُرِجعك لأبيك، فلما عاد إلى أبيه، قال: يا بني لِمَ هذا الحزن والغم؟ فقال: قد كدتُّ أموت ولا أعرف ما معنى الموت، إني خارج بالليل.

فلما كان نصف الليل، لبس ثياب الشعر وخرج من قصره وهو يقول: اللهم إني أسألك شيئاً ليس لي فيه كبير ولا صغير، مَن جرت به المقادير، تمنيتُ لو أن الماء في الماء والطين في الطين ولم أنظر إلى الدنيا نظرة واحدة.

وهكذا ترك مُلْك أبيه ليجهز نفسه للموت بعيداً عن الدنيا وما فيها.

أيها الطغاة العرب.. نحن لا نطلب منكم أن تكونوا كذلك، ولكننا نذكركم بأن الموت هو أقرب غائب، فهل تراجعون أنفسكم؟ تدبروا موت الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، ألم يخطر ببالكم فيمَ كان يفكر قبل موته بساعات؟ ألم يخطر ببالكم حجم الآمال والأحلام التي كان يتمنى تحقيقها، وما أمهله الموت؟

أيها الحكام والطغاة.. لماذا لا تعيدون النظر في سياساتكم، جرّبوا أن تتحالفوا مع شعوبكم ولو لمرة واحدة؟

أيها الحكام والطغاة.. إن سلطانكم زائل، وإنكم مسؤولون أمام الله عمن قُتِل وقَتَل.

أيها الحكام والطغاة.. جلس رجل مع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وأخبره أن مَلِكاً قد بنى مدينة وجمَّلها وزيَّنها، وصار يقدم أشهى الطعام وألذ الشراب لزوارها، وأوقف على أبوابها حرساً، وكان قد أوصى حراسه أن يسألوا الزوار عند خروجهم من المدينة، إن كانوا قد وجدوا بمدينته عيباً أم لا، وأمرهم بأن يذهبوا إليه بمن يرى عيباً في مدينته.

مرت السنون، والناس يدخلون المدينة يأكلون ويشربون ويطوفون بها، وعند خروجهم يسألهم الحرس: هل وجدتم بها عيبا؟ فيجيبون: لا. وظل الأمر على هذه الحال، حتى دخل المدينة جماعة من الزُّهَّاد العُّبَّاد، طافوا وأكلوا وشربوا، فلما أرادوا الخروج، سألهم الحرس، هل وجدتم بالمدينة عيبا؟ قالوا: نعم، وجدنا بها عيبين.
فانطلق الحرس ومعهم العُبَّاد إلى الملك. قال الملك بعدما علم بكلامهم: تقولون إن بمدينتي عيبين، فما هما؟
قالوا: أما الأول فإنها تَخْرَب، وأما الثاني فبانيها يموت.
فقال الملك: وهل هناك مدينة لا تخرب وبانيها لا يموت؟!
قالوا: نعم، الجنة. فانخلع الملك عن ملكه وساح معهم.

فلما سمع عمر بن عبدالعزيز هذه القصة تأثر تأثُّراً شديداً وأراد أن ينخلع من الخلافة، لولا ابن عمه مسلمة بن عبد الملك، الذي قال له: لو خلعت نفسك سوف يقتتلون عليها وستحدث الفتنة، فتراجع عمر خوفاً على الأمة.

أيها الحكام والطغاة.. هل صراعكم وتشبثكم بالحكم لمصلحة الأمة؟ هل بقاؤكم واستمراركم بالحكم بسبب ما تقدمونه للأمة من خير؟ إن كنتم كذلك، فلماذا كرهتكم شعوبكم؟

أيها الحكام والطغاة.. لقد قُتِل علي عبد الله صالح، وقد صار الآن بين يدَي الله، لقد أفضى إلى ما قدَّم، لن تنفعه مناصبه ولن تحميه التحالفات، فقط عمله، فاتَّعظِوا، واتَّخِذوا من مقتله عِبرة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.