المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زكريا عبدالفتاح الشحيمي Headshot

هل كان لفصائل الإسلام السياسي ماضٍ حتى يكون لها مستقبل؟ وما الحل؟

تم النشر: تم التحديث:

نقل أحد الذين كانوا يجالسون الشيخ حسن أيوب، رحمه الله، قولاً، هذا مغزاه: "نريد قادة لا كثرة أتباع".

قرنٌ من الزمان تقريباً قد مر على أشهر الكيانات الإسلامية وأكثرها عدداً.

قرنٌ من الزمان تقريباً، ولم يتمكنوا من صناعة القادة الذين يحملون الأمة -جيلاً بعد جيل- من مجد إلى مجد.

فقط هو الصراع الذي تحاصره رسمية الدولة، هو الصراع المُباح، والوجود المشروط، من أجل الاستخدام لتحقيق المآرب والمصالح من خلالهم، ذاك هو حال الفصائل الإسلامية التي لم تجد منقبة تحاجج بها العالم حتى الآن، إلا رحلات الذهاب والإياب من المعارضة إلى السجون، ومن السجون إلى المعارضة، ذلك كله دون إنجاز سياسي واحد.

وحقيقة الأمر، في رأيي، أن فصائل الإسلام السياسي منذ أن دخلت أهم محنها في مرحلة الخمسينيات حتى الآن, لم تجتهد في أمور عدة، أهمها يتمثل في عدم اهتمامها بتصنيع القادة وتخريج الكوادر المتخصصة بكافة المجالات والتخصصات.

والثاني يتمثل في عدم القدرة على تقديم الحلول العبقرية لأكثر المشاكل تعقيداً، والتي يعاني منها المجتمع، والتي ينبغي لها أن تكون قابلة للتطبيق على أرض الواقع، وأيضا لا بد وأن يتفهمها الناس ويقتنعوا بها، وذلك من شأنه أن يصنع حالة من قوة الإرادة تتغلغل داخل المجتمع بكافة شرائحه، هذه القوة تجعله -أىْ المجتمع- على أتم استعداد للمخاطرة والمجازفة بكل شيء فيواجه مختلف القوى في الداخل والخارج؛ لِيُجلِس من شاء على العرش، بل والإبقاء عليه.

وقد يرجع السبب في عدم اكتراث الفصائل الإسلامية بتلك الأمور الهامة، إلى أن القائمين على الرصد والتأريخ للتجارب والأحداث، من داخل تلك الفصائل، لم يعيروا أي اهتمام للأخطاء التي سقطت فيها فصائلهم خلال خوضها تلك التجارب، وإنما فقط يجعلون التركيز كل التركيز على أخطاء وسياسات الخصوم في الداخل والخارج. فتمر عليهم مراحل الابتلاءات والمحن وكأنها لم تكن، دون أية تراكمات تصنع منهم رجالاً للمراحل التالية.

وقد يرجع ذلك أيضاً إلى اهتمامهم الواضح جداً بالتكتيل وتكثير الأعداد، وذلك في تصورهم يمنحهم القدرة على الحشد.

وقد تجلى ذلك بعد تنحي مبارك عن حكم مصر في فبراير/شباط 2011. وأثبتت التجربة أن ذاك تصور نابع عن قصور في الفهم؛ لأنه سرعان ما تتلاشى الأعداد أمام القوة.

من خلال هذا الذي قدمت به آنفاً أقول:

هل كان لفصائل الإسلام السياسي ماضٍ حتى يكون لها مستقبل؟

والجواب وبكل أسف، لا، فالذي يُطالع شيئاً من تاريخ تلك الفصائل، لن يجد لها أي دور يُذكر سوى أنه تم استخدامهم في الخمسينيات كورقة بيد الضباط الأحرار استغلوها للإطاحة بالملك فاروق، ملك مصر الراحل، ثم تخلص منهم عبدالناصر وزج بهم إلى السجون.

فجاء من بعده الرئيس محمد أنور السادات الذي أخرجهم من سجون عبدالناصر حتى يجعلهم شوكة في حلق خصومه من قوى اليسار، وبخاصة داخل الجامعات المصرية. وصحيح أن حقبة السادات قد شهدت هدوءاً نسبياً فيما يخص صراع الفصائل الإسلامية مع السلطة، ولكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، ربما بسبب ممارسات الرئيس السادات التي أحاطته بكثير من الخصوم، ولقد انتهى الأمر باغتياله على يد بعض أعضاء الجماعة الإسلامية في ذكرى نصر أكتوبر/تشرين الأول عام 1981؛ ليأتي بعده مبارك، الذي حكم مصر ثلاثين عاماً بقانون الطوارئ، متذرعاً بوجود فصائل متطرفة، وأيضاً استخدمهم ككارت يلوح به في وجه الخارج الغربي.

توالت الأحداث، وخرج الشعب المصري ثائراً على مبارك ونظامه، وقد تنحى بالفعل؛ ليجد الإسلاميون أنفسهم قد تصدروا المشهد المصري، بل لقد وصلوا إلى الحكم، ولم يتمكنوا من الحفاظ عليه، فلقد زال حكمهم بعد عام في الثالث من يوليو/تموز 2013.

ومن الأسباب التي عجَّلت بزوالهم أنهم بحثوا عن طريق النجاح -أياً كانت وسائلهم- وأهملوا طرق البقاء، وأيضاً لقد انتقلوا من عصر المعارضة إلى عصر الحكم بعقلية المعارضين لا بعقلية الحكام، فبالرغم من أنهم وصلوا إلى سدة الحكم وجلسوا على عرش مصر، إلا أنهم استمروا في النزول إلى الشوارع للسير في تظاهرات وترديد هتافات ضد أحزاب وشخصيات معارضة لهم، وما ذلك من سياسة الحكم في شيء.

وبعد مُضي سنوات أربع على زوال حكمهم، ما زالوا إلى الآن يعالجون القضايا بنفس النمطية والرتابة التي انتهجوها لعقود عجاف.

ما زالوا يُحمِّلون المخالفين المسؤولية عن فشلهم، وما زالوا يرفضون الإقرار بأنهم عجزوا عن سياسة الحكم وإدارة شؤونه، وكان أولى لهم أن يهدأوا ليتدبروا الأمر، وليتعرفوا على ما صاحب العالم من متغيرات إقليمية ودولية؛ ليفتحوا صفحة جديدة بعد ذلك، لعلهم يتوصلون إلى أسرار النزال في ميادين السياسة.

ومن خلال الواقع الذي نعيشه في مصر، ومن خلال ما مضى من سنوات شهدت صراعاً أيديولوجياً بين السلطة والفصائل، أقول: إن استمرت الأمور على هذه الحالة فإن أزمة مصر قد تطول ولا يعرف أحد متى وعلام ستنتهي.

وأوجه كلامي هذا لمن يديرون المشهد المصري، سواءً أكانوا في الحكم أو في المعارضة، فأقول: إن المَخرج من هذه الأزمة التي نعيشها يتمثل في جملة واحدة هي: (حل غير عادي). نعم، لا بد أن يكون الحل عبقرياً جديداً بعيداً عن عقلية النظام والفصيل، تلك اللعبة المملة التي أضرت بعموم الشعب المصري كله وعزلته عن قضاياه.

لا بد أن يكون الحل عبقرياً؛ حتى يستحوذ على انتباه واهتمام الشعب بمختلف شرائحه وانتماءاته، لا بد أن يكون الحل عبقرياً؛ حتى نغرس حُلماً داخل الأنفس اليائسة التي أجبرتها الحاجة والعوز على فقدان الأمل، بل على تمني الموت.

لا بد أن يكون الحل عبقرياً بعيداً عن التنظير السلبي اليومي الذي انخدع فيه المصريون طيلة العقود الماضية، ولمَّا حانت الفرصة صُدِموا فيمن صدَّعوا رؤوسهم على مدار عقود بالقدرات الخارقة التي يمتلكونها، وما كانت إلا أوهاماً، لا بد أن يكون الحل عبقرياً؛ لأن المواطن المصري ما عاد يلتفت إلى التحليلات اليومية المتنوعة، ما عاد يجذب انتباهه الحديث عن ارتفاع مستوى التضخم، ما عاد يعنيه الحديث عن المتغيرات في مؤشرات البورصة العالمية، ما عاد يعير اهتمامه لبرامج التوك شو؛ ليتعرف على الأسباب التي أدت إلى ارتفاع الأسعار؛ لأنه أول من يمارس أثرها واقعاً، وهو أول من يكتوي بنارها، ثم إنه أيقن أنه لا فائدة من المتابعة، فلا أحد سيخرج إليه بالحل ويطبقه، وأيضاً ما عاد يؤثر في إدراكه الحديث عن الثورات والثوار ورياح التغيير، وذلك ببساطة لأنه "أىْ المواطن" قد فقد الثقة بجميع الأطراف، سواء من في الحكم أو من في المعارضة.

ولن تقوم لمصر قائمة طالما أن أصحاب تلك الرؤى والممارسات -سواء من في السلطة أو من في المعارضة- مصرون على أن يتشبثوا بمواضعهم فلا يتركونها لمن هم خلفهم.

وأقولها بيقين جازم: إن في أبناء مصر من هم قادرون على التوصل إلى حل لجميع المشاكل والأزمات التي تضرب طول البلاد وعرضها، فقط تُفتح أمامهم الأبواب.

وأخيراً.. أكرر وأؤكد على أن بلادنا لن تقوم من كبوتها إلا بحل غير عادي، نعم، حل عبقري، بعيداً عن مطرقة الاستبداد وسندان الغباء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.