المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زكريا عبدالفتاح الشحيمي Headshot

المشروع الإسلامي بين فن الممكن وفن التمكين "2"

تم النشر: تم التحديث:

- في الحادي والثلاثين من يوليو/تموز 2016 نشر موقع الجزيرة.نت حواراً أجرته مع الدكتور ياسر علي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، وكان آخر ما تم توجيهه إليه من أسئلة سؤالاً يتعلق بمدى الإصابة في قرار جماعة الإخوان خوض السباق الرئاسي عام 2012، قال ياسر علي: لم نكن في 31 مارس/آذار 2012 في تمام الجاهزية لتولّي المسؤولية، وأضاف: وأنا أقول ذلك بعد سنة من التفكير والمراجعات في سجن العقرب، لم نكن جاهزين لملفات كثيرة، ومنها ملف العلاقات الإقليمية.

- في التاسع والعشرين من يناير/كانون الثاني 2017 نشر المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية مقالاً للدكتور جمال حشمت، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين، بعنوان "في ذكرى 25 يناير.. كنت هناك ولكن".

تناول المقال الأخطاء العشرة التي وقع فيها الإخوان المسلمون بعد ثورة يناير، والتي عددها كالتالي: قرار دخول الانتخابات الرئاسية، التواصل مع المجلس العسكري، الانتشار الكثيف في زمن قليل، سياسة الحشد الجماهيري، الشعور بالنصر والتمكين، احتكار المعلومات، التعامل مع القوى المدنية، إصلاحي لا ثوري، الأجندة التشريعية الثورية الغائبة، التحالف مع حزب النور.

- في أغسطس/آب 2015 وقبل حلول ذكرى فض اعتصام رابعة العدوية بأيام، خرج القيادي بحزب الحرية والعدالة حمزة زوبع؛ ليعلن عن أن اعتصام رابعة لم يكن بمقدوره أن يعيد محمد مرسي إلى منصبه، وإنما كانت تلك الوعود للإبقاء على المعتصمين بالميدان من أجل الوصول إلى منطقة التفاوض مع القوى المدنية، المعروفة بقوى 30 يونيو، وإخراج الجيش من المشهد السياسي.

- وتعقيباً على تلك التصريحات أقول: لو أننا حذفنا تلك الأسماء واستبدلناها بأسماء لبعض المعارضين للفصائل الإسلامية، لَما سلِم أبداً من وصلات الردح الفضائية والفيسبوكية، مع جملة من الاتهامات المعلبة التي تُكال ليلاً ونهاراً لكل منتقد لتلك الفصائل، ولكن حين تصدر تلك التصريحات من داخل الفصائل، فحتماً سوف تُنسب إلى الحكمة.

- تناولت في مقالتي السابقة شيئاً من أهم الأحداث التاريخية التي كانت بعض الفصائل طرفاً فيها، ووعدت بأن أناقش أمر المشروع الإسلامي بطريقة محتلفة عمن سبقني، حيث إنني لن أستطرد في ذكر التفاصيل التي هي من شأن العلماء والباحثين والمختصين في العلوم المختلفة، ولكنني سوف أطرح بعض التساؤلات بناء على ما عايناه من واقع ما زلنا نعيشه.

- المشروع الإسلامي بين فن الممكن وفن التمكين.
- في فبراير/شباط 2011 رحل مبارك عن الحكم، وصارت الساحة خالية تماماً أمام الفصائل الإسلامية -أو هكذا كانت تبدو- وها هو وقت الإعلان عن المشروع الإسلامي بكامل تفاصيله قد حان، وذلك للسير خطوة على طريق التمكين، أو نحوه. ولكن هل كانت الفصائل بالفعل قد أعدت مشروعها؟ لنرى ذلك من خلال تلك التساؤلات، والحقيقة تكمن في الإجابة عنها.

- وبداية أرجو ألا يظن أحد أنني أطرح تساؤلاتي حول المشروع الأصيل الخالد، ولكن ما سوف أطرحه يتعلق بالمشروع المعاصر، وسوف ينقسم الطرح إلى قسمين: الأول يتعلق بالجانب المادي المتعلق بالممارسات السياسية وإدارة شؤون الدولة، المنضبطة بضوابط الشريعة الإسلامية، والثاني يتعلق بالجانب الروحي والأخلاقي.

- أما ما يتعلق بالجانب المادي أقول:

أولاً: وهذا من أهم التساؤلات، هل انعكست آراء واجتهادات وأفكار مُنظِّري تلك الفصائل على المشروع الإسلامي المعاصر الذي يُتَّهم المعارضون بمحاربته؟

ثانياً: مَن مِن فقهاء الأمة وعلمائها المعاصرين قاموا بمهمة الاجتهاد والاستنباط من أصول وفروع ونصوص الشريعة الإسلامية للإجابة على أسئلة العصر وإشكالياته، فضلاً عن الخبراء والعلماء والمتخصصين في فروع العلوم الدنيوية الذين أسهموا في وضع ذلك المشروع، وذلك لفك الاشتباكات ما بين مكونات الدولة القديمة والحديثة المتمثلة في دولة المؤسسات، وما هي انتماءاتهم؟

ثالثاً: هذا المشروع تم إعداده للتطبيق في مقام ثوري أم مقام إصلاحي؟ فكل منهما (الثوري والإصلاحي) له منهج حُكْمٍ يتعارض مع الآخر. فما كان بعد يناير، لا ثوري ولا إصلاحي، إنما العشوائية والتيه. (أكرر، هذه التساؤلات أطرحها في ضوء ما شهدناه من ممارسات بعد ثورة يناير 2011).

رابعاً: ما موقف الفصائل التي أعدت هذا المشروع من الفصائل المخالفة لها في المنهج.هل موقفها قائم على الإقصاء أم بناءً على التحالفات؟ ثم هل تم الأخذ باجتهادات علماء الفصائل المخالفة فضلاً عن اجتهاد المؤسسة الدينية الرسمية؟

خامساً، ما الذي تضَمَّنه هذا المشروع عن موقف الإسلام من الثورات والمظاهرات؟، وأقصد هنا الحكم العام، لا الحكم الخاص الذي يراعي طبيعة حدث من الأحداث. ثم إن هناك مدارس فقهية ذات تأثير بالغ في المجتمع ترى عدم جواز الاثنتين، فهل تم التواصل مع علماء تلك المدارس، أم تم تجاهلهم واعتبارهم أعداء؟

سادساً: ما الذي تضمَّنَه هذا المشروع عن آليات الوصول إلى الحكم؟ هل يأتي الحاكم عن طريق البيعة من أهل الحل والعقد، أم عن طريق الانتخاب من كل فئات الشعب؟ ثم ما الذي تضمنه المشروع عن التعامل مع مَن يخرجون على الحاكم، وأقصد أيضاً الحكم العام لا الخاص؟

سابعاً: نظام الحكم وسياسة الدولة قائم على الديمقراطية أم على الشورى؟ وهذا التساؤل يأخذنا إلى السؤال عن صياغة الدستور، فنقول: ما هو التصور الذي تضمنه المشروع المعاصر عمن يتم تكليفهم بصياغة الدستور ومواد القانون التي تنظم حياة الناس؟ وعند احتدام الخلاف حول بعض المواد، فاللجوء يكون لأية مرجعية فقهية للبت في ذلك؟ ولا ينبغي لنا أن ننسى الجدل الذي دار حول ما إذا كانت مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع أم أنها المصدر الوحيد للتشريع، وذلك أثناء صياغة دستور 2012، وأيضاً بسبب بعض المواد المخالفة للشريعة قد أفتى بعض العلماء بحرمة التصويت بنعم على ذلك الدستور.

ثامناً: ما الذي تضمنه المشروع عن التعامل مع الآخر (غير المسلمين)؟ هل هو شريك في صنع القرار؟ وهل هذه الشراكة ناتجة عن الإلزام أم بحسب الكفاءة، أم أنه شريك في الوطن وحسب (حقوق وواجبات)؟ ثم ما الذي تضمنه عن حرية الاعتقاد؟

تاسعاً: ما الذي تضمنه المشروع عن القضايا والملفات والمعاملات الدولية ومستجدات العصر الشائكة؟

عاشراً: ما الذي تضمنه المشروع عن حركات التحرير المعاصرة؟ وما هي الخطوط العامة للتصدي لها؟

أكتفي بهذه التساؤلات حول الجانب المادي؛ لأتناول الجانب الروحي والأخلاقي في عجالة.

وأقول: بعد تنحّي مبارك في فبراير/شباط 2011، ما شهدنا إلا إطلاق الوعود، ثم عدم الوفاء بها، كوعد المشاركة لا المغالبة بالانتخابات البرلمانية، والوعد بعدم خوض الانتخابات الرئاسية، ثم محاولة تكميم أفواه الدعاة من خلال محاولة سن القوانين التي لم يوفقوا إليها.
ثم قام السيسي بعزل مرسي ثم فض رابعة.

وهنا، كان ينبغي عليهم تفعيل الجانب الأخلاقي والدعوي، حتى يوحدوا الصفوف والإعداد للمرحلة الجديدة، ولكنهم أجازوا السخرية والشتيمة والتطاول على كل مخالف مع وصفهم بالعبي، وقد برروا ذلك وأجازوه حتى لا يلجأ أتباعهم إلى العنف، حتى علماء الأمة لم يسلموا من ذلك، فرموهم بالخيانة والنفاق والتجارة بالدين..إلخ.
فهل تضّمَّن المشروع الإسلامي هذا المنهج في التعامل مع الآخرين وقت الأزمات؟

خلاصة القول: إن فصائل الإسلام السياسي ما أعدت مشروعاً، وإن كانت أعدته بالفعل، فهم أول من حاربوه من خلال الممارسة على أرض الواقع، وإن رفضوا هذا الكلام، فليأتونا بخطوة واحدة خطوها منضبطة بضوابط الشرع منذ يناير/كانون الثاني 2011 حتى الآن.

لذا، هذه الفصائل ما كانت إلا مطية للأنظمة المتعاقبة منذ عبد الناصر حتى الآن، وإن أنكروا ذلك فليأتونا بإنجاز سياسي واحد. قال الشيخ محمد عبد المقصود: مكتوبٌ على الإسلاميين أنه كلما رحل رئيس وحل محله آخر، يقولون: السابق كان أفضل من الحالي.

وأختم بهذا السؤال: هل الممارسة السياسية منذ 2011 حتى الآن كانت من منطلق فن الممكن أم فن التمكين؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.