المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زكريا عبدالفتاح الشحيمي Headshot

لو كنت حاكماً أو مليارديراً لنفذت هذا السيناريو حتى يتوحد العرب "1"

تم النشر: تم التحديث:

في الأزمنة الخوالي، جلس عبد الله بن عمر وعروة بن الزبير وعبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير بفناء الكعبة، فقال لهم مصعب بن الزبير: تمنوا، فنحن في بيت الله، فقالوا: ابدأ أنت يا مصعب، فقال مصعب: أما أنا فأتمنى ولاية العراق والزواج من سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فنال مصعب ذلك، وقال عروة بن الزبير: أما أنا فأتمنى الفقه، فنال عروة ذلك، وقال عبد الملك بن مروان: أما أنا فأتمنى الخلافة، فنال عبد الملك ذلك، وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى الجنة، وترجى له، هكذا كانت همم المسلمين الأوائل الذين استحقوا أن يمكّن الله لهم في الأرض.

فلننظر إلى هممنا اليوم في ظل الأزمة العربية، وأستشهد ببعض ما عاينته وعانيته أنا وأبناء جيلي.

لقد جلس العرب في مدريد سنة 1991 وتمنوا السلام فلم ينالوه، ثم جلسوا في أوسلو سنة 1993 وتمنوا السلام فلم ينالوه، ثم جلسوا في شرم الشيخ سنة 1996 لصناعة السلام فلم يقدروا على ذلك.

وبعد أن اتسعت دائرة الدمار وتوحشت مخالب الصراع، فها هم الآن يجلسون مع دي ميستورا من أجل سوريا، ومع إسماعيل ولد الشيخ أحمد من أجل اليمن، ومع مارتن كوبلر ومن قبله برناردينو ليون من أجل ليبيا، ولم يصلوا إلى شيء بعد، وما زالت الأزمة التي طال أمدها حتى بلغ قرناً من الزمان تقريباً قائمة مستمرة، ولا أريد أن أسهب في التوصيف؛ لأنه واقع والجميع يعاينه ويعانيه.

ووالله لو أن منادياً نادى في أبناء العرب وقال: أيها العرب تمنوا، كما قالها "مصعب"، لقلت: أما أنا فأتمنى أن أكون حاكماً أو مليارديراً حتى أرسم هذا السيناريو وأسعى لتنفيذه محاولاً من خلاله تحرير وتوحيد العرب.

وسوف أتخيل لبعض الوقت أنني قد نِلت ما تمنيت وصرت حاكماً أو مليارديراً، وعليَّ أن أرسم هذا السيناريو لأبدأ بعدها في تنفيذه لعلي أسهم بشيء يعيد الأمة إلى طريق الريادة مرة أخرى.

لو كنت حاكماً أو مليارديراً لقمتُ بالآتي:

سوف أتوجه إلى أحد العلماء الربانيين المنصفين، وأناقشه في شؤون الأمة، ثم أستأذنه في أن يجمع عدداً مناسباً من علماء الأمة العربية والإسلامية في مختلف التخصصات والعلوم (علوم الدين والدنيا)، ثم أطلب منهم أن يعكفوا على قراءة تجارب الحكم الإسلامي على مر تاريخه حتى سقوط دولة الخلافة قراءة متأنية، مع التركيز على أسباب زوال كل دولة، مع شدة التركيز على أسباب زوال الدولة العثمانية (لأنها آخر دولة حكمت المسلمين)، مع إلقاء الضوء على تجارب وممارسات حكم الأمم الأخرى، ثم صياغة خلاصة ما خرجوا به من قراءة صياغة علمية سلسة.

سوف أطلب منهم أن يدرسوا الواقع العربي والإسلامي بعد زوال الخلافة العثمانية حتى يومنا هذا دراسة عميقة، وأن يشخصوا الداء ويحددوا الدواء.

سوف أطلب منهم أن يتخيلوا أن الأنظمة العربية قد استفاقت أو اضطرت لأن تطالبهم بوضع تصور لتجربة معاصرة للحكم الأمثل نستطيع أن نطبقها في هذا الواقع المعقد، وذلك من أجل إسقاطها وتطبيقها لتصبح واقعاً ملموساً، وعليهم ألا يتركوا شاردة أو واردة إلا وتعرضوا لها سواء في الداخل أو في الخارج، وأن يراعوا الاختلافات المتعددة ما بين شعب وآخر، وعليهم أيضاً أن يصوغوا ذلك صياغة علمية سلسة.

بعد ذلك سوف أجتمع مع عدد من الكتاب المعتدلين (كتاب الرواية والدراما التليفزيونية) وأطلب منهم أن يقرأوا الصيغتين اللتين صاغهما العلماء قراءة متأنية، ليقوموا بعدها وأن يحولوا كلتا الصيغتين العلميتين إلى صياغة أدبية، وعليهم أن يتخيلوا الأحداث والأشخاص جيداً حتى يتسنى لهم إعداد وكتابة سيناريو لعمل درامي ضخم يتناول ما سطره العلماء (سواء عن التاريخ أو التجربة التي نريد تطبيقها في الواقع)، مع مراعاة سرعة مرور الأحداث التي تتناول العصور السابقة، وليكون التركيز عن الواقع المعاصر وما به من إشكاليات وقضايا، أما التركيز الأكثر والأهم فيكون لتناول الحالة الآنية وكيفية إسقاط التجربة على الواقع، وما سوف ينعكس على الشعوب بعد نجاحها (نعم نجاحها)؛ حيث سيتم تجسيد الواقع "درامياً" بالصورة التي ينبغي له أن يكون عليها لما في ذلك من تحفيز سيكون له دور وسوف أتناوله فيما بعد.

وتجدر الإشارة هنا إلى أمرين مهمين: أولهما تحريم الدراما، وثانيهما لماذا اخترت الدراما تحديداً؟

أما عن تحريم الدراما من قِبلِ بعض أو معظم العلماء، فأعتقد أن التحريم لم يكن للدراما كفن من الفنون الحديثة وإنما جاء نتيجة المضمون الذي أسهم في إفساد الواقع، حقيقة لقد أصبح سلاحاً قوياً مؤثراً.

وأما عن سبب اختياري للدراما وأوضح ذلك من كلام بعض أهل العلم وهو الدكتور زغلول النجار؛ حيث قال: كل نبي وكل رسول قد أوتي من الكرامات ومن المعجزات ما يشهد له بالنبوة أو الرسالة، وكانت تلك المعجزات مما "تميز فيه أهل عصره".

فسيدنا موسى -عليه السلام- جاء في زمن كان السحر قد بلغ فيه شأناً عظيماً، فأعطاه الله تعالى من العلم ما يبطل به سحر السحرة، وسيدنا عيسى -عليه السلام- جاء في زمان كان الطب قد بلغ فيه مبلغاً عظيماً، فأعطاه الله تعالى من العلم ما تفوق به على أطباء عصره، وسيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- جاء في زمان كانت المزية الرئيسية لأهل الجزيرة العربية فيه هي الفصاحة والبلاغة وحسن البيان، فجاء القرآن يتحدى العرب -وهم في هذه القمة من الفصاحة والبلاغة وحسن البيان- أن يأتوا بسورة من مثله.

وبناءً على هذا التأصيل جاء اختياري للدراما التليفزيونية التي بلغت الذروة في البراعة والتأثير على أفكار وسلوك الكثيرين، والقرآن باقٍ إلى يوم القيامة، والشريعة الإسلامية باقية ببقاء القرآن، والإسلام لا يمنع أبداً استخدام الوسائل التي استحدثها أهل عصر من العصور؛ لتكون من أسباب قوته وإقامة دولته، وثمة فارق كبير بين التنظير وبين التشخيص والتجسيد، وقد ثبت أن التشخيص والتجسيد لهما القدرة على تحويل السلوكيات.

وبما أتمنى، وأتخيل أنني نلت ما تمنيت يتبقى لنا أن نعرف:
كيف سيتم اختيار فريق العمل الذي سيحول تلك التصورات إلى واقع نشاهده؟ أين سيتم تصوير العمل؟ كيف سيتم توزيع الأحداث على الحلقات؟ ما هي أسرار الحلقة الأخيرة؟ وما هو دور الشعوب بعد مشاهدة الفارق بين واقعهم الذي يعيشونه وبين واقع من الممكن أن يفعلوه هم بأنفسهم؟ وهل سيقف العالم عاجزاً أمام محاولة الشعوب؟

الحديث عن ذلك وغيره في المقال القادم إن شاء الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.