المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زكريا عبدالفتاح الشحيمي Headshot

أيها الداعون إلى تفكيك الجيش المصري "انتباه" "1"

تم النشر: تم التحديث:

"الدين أفيون الشعوب"، هكذا وفي جملة قصيرة لخّصها كارل ماركس.

وبناءً على هذه الجملة وانطلاقاً منها أقول: إذا أردت أن تُضعِفَ دولة من الدول -مسلمة أو غير ذلك- فما عليك سوى أن تُنشئ فصيلاً على أسس دينية، امنحه مقومات الانتشار والتوغل بطريقة غير مباشرة، اتركه ينمو ذاتياً حتى يتمكن من قواعد المجتمع، بعد ذلك سوف يصبح حالةً بممارساته، حتماً سوف يتأثر بالمناخ العام، بعد فترة زمنية محسوبة، عليك أن تبادر بإنشاء فصيلٍ آخر يخالف الأول في المنهج، امنحه قدراً من الحرية والدعم المتنوع؛ ليقوم باستقطاب المخالفين وغيرهم، أشِر من بعيد إلى الثغرات والسلبيات، بعد قليل قد تنزعج لصوت الانفجار الهائل الناجم عن عنف الصدام، وقتئذٍ صار بإمكانك أن تفرض هيمنتك على الجميع "المجتمع وتلك الفصائل والدولة"، ولا أجد أدلَّ على ذلك من الواقع العربي.

ها هي الدولة التي قيل عنها يوماً إنها سلة الخبز للشعوب العربية، تلك الدولة التي كانت أكبر دولة عربية من حيث المساحة، إنها السودان التي شهدت -على مدار نصف قرن من الزمان تقريباً- حربين أهليتين، تمثل وقود هاتين الحربين في محاور ثلاثة، أقواها وأهمها الدين، ثم السلطة والاقتصاد يأتيان تباعاً.

نشبت الحرب الأولى عام 1955 واستمرت حتى إبرام اتفاقية أديس أبابا في السابع والعشرين من فبراير/شباط 1972 بين الحكومة السودانية من جهة وبين حركة تحرير السودان من جهة أخرى، بموجب الاتفاقية حصل جنوب السودان على الحكم الذاتي الإقليمي، على أن يدير كافة شؤونه بنفسه فيما عدا بعض الأمور، ومنها ما يتعلق بالدفاع والشأن الخارجي والتعليم، وغير ذلك.

عام 1983 أدى إعلان الرئيس السوداني جعفر النميري إلغاء اتفاقية أديس أبابا إلى تمرد إحدى الكتائب العسكرية في الجنوب، وبعد فشل المفاوضات، دقت طبول الحرب مرة أخرى، ولم تضِع أوزارها إلا بعد اتفاقية نيفاشا التي قامت على حق تقرير المصير، وذلك عام 2005.

مساء السابع من فبراير/شباط 2011 أعلنت مفوضية استفتاء جنوب السودان النتيجة النهائية للاستفتاء، وهي انفصال جنوب السودان عن شماله "هكذا بالديمقراطية"، على أثر ذلك بادرت الولايات المتحدة الأميركية بالبدء في الإجراءات الخاصة برفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

في الثالث والعشرين من مايو/أيار 2003 وفي أعقاب الغزو الأميركي للعراق، أصدر الحاكم العسكري "بول بريمر" قراراً بحل الجيش العراقي، ما ترتب عليه تسريح ما يقرب من 400 ألف جندي وضابط، وذلك بذريعة أن الجيش يدين بالولاء لنظام الرئيس صدام حسين.

بعد ثلاثة عشر عاماً تقريباً، وفي العدد 452 من مجلة المستقبل العربي الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2016 عن مركز دراسات الوحدة العربية، ينص أحد بنود المبادرة الوطنية لحل الأزمة العراقية على إعادة تشكيل الجيش العراقي الحالي وحل جميع الميليشيات والقوى المسلحة الأخرى، وأن يتولى أمن العراق وحمايته، خلال الفترة الانتقالية التي تحددها الحكومة الانتقالية، قوة عسكرية عربية مشتركة، ويتولى مجلس الأمن، وبالتشاور مع الحكومة الانتقالية، تحديد حجمها ومهامها والدول المشاركة فيها، وتمويلها ومدة بقائها، وتتولى هذه القوة العسكرية العربية، وتحت إشراف الحكومة الانتقالية، إضافة إلى مهمة حفظ الأمن والنظام في العراق، مهمة إعادة تشكيل الجيش العراقي.

تعمّدتُ أن تكون مقدمة مقالتي بهذين النموذجين العربيين، فلقد أفضت الصراعات في السودان إلى إنهاك قوى الجيش والدولة معاً، حتى حانت لحظة الحرية في تقرير المصير، لم تجد الدولة قوةً تُحكِم القبضة، كما أدى تفكيك الجيش العراقي إلى الدخول في مرحلة من الفوضى والصراعات المسلحة حتى بات التقسيم الفعلي للدولة -على أساس العِرق والدين- هو أحد أهم الخيارات.

حقيقةً، المنطقة العربية بشعوبها وجيوشها قاطبةً ليست بمنأى عن مصير الشقيقتين "السودان والعراق"، بل إن هناك دولاً أخرى تسير في طريقها مختارة لتلقى نفس المصير، ومن ثم، أبدأ تناول بعض ما يثار حول الجيش المصري.

في أعقاب فض اعتصامَي رابعة والنهضة في الرابع عشر من أغسطس/آب 2013، اجتاحت رياح الغضب كثيراً من المصريين، وذلك لبشاعة المشهد الدموي، تمخضت تلك الحال عن ميلاد دعوات شتَّى، ما أدى إلى حالة من الانقسام عميقةٍ، جعلت الجميع يدور في حلقة مفرغة، فكانت المحصلة صفراً بل ما دون الصفر، وذلك لتعدد الرؤى والرايات، إضافة إلى عدم وجود قائد يجلُّه أنصاره ويهابه خصومه وأعداؤه.

من بين تلك الدعوات التي انطلقت، دعوة خطيرة تطالب بتفكيك الجيش المصري، مطلقو هذه الدعوة يبررونها ويدافعون عنها لسببين؛ الأول يدور حول فساد العقيدة -الدينية والقتالية- منذ أنشأه محمد علي، والثاني بدعوى أن الجيش يمثل العقبة الكؤود التي تحول بين الشعب وبين ما ينشده، وحقيقة، تلك دعوة تحمل في ظاهرها الرحمة وما بباطنها إلا العذاب.

ورداً على هذه الدعوة أقول: أما عن العقيدة، فحُقَّ لنا أن نستدعي هذا الحدث العسكري لنستنبط منه سؤالاً نبني على إجابته قواعد التفنيد، ذلك الحدث الذي ترتب على الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس/آب 1990، وهو استجابة نظام مبارك لمطلب المملكة العربية السعودية، فقرر إرسال قوات مصرية للمشاركة في حرب تحرير الكويت، وقد شاركت مصر بالفعل بما يزيد على 30 ألف جندي وضابط، وهنا أقول: لو أن القيادة السياسية أو العسكرية في ذلك الوقت أصدرت أوامرها لتلك القوات المصرية -أثناء مرورها من سيناء- حتى تعدِّلَ مسارها، لتتجه باتجاه تلَّ أبيب بدلاً من اتجاهها إلى السعودية.

السؤال، تلك القوات التي صدرت إليها الأوامر، بداية من أصغر جندي وصولاً إلى قائدها وهو اللواء أركان حرب محمد علي بلال، هل كانت تجرؤ على "تكسير الأوامر؟" أو مخالفتها؟ علماً بأن القاعدة الشهيرة داخل القوات المسلحة المصرية تقول: "أطِع الأوامر ولو كانت خطأً، أترك الإجابة عن هذا السؤال للقارئ، بعيداً عن الأبعاد العسكرية والخطط الحربية، لنعلم أن كل مؤسسة تُصبَغ بصبغة من يديرها، وسرعان ما تزول تلك الصبغة بزواله.

أنتقل إلى طرح بعض الأسئلة التي نستنبط منها السيناريوهات المحتملة التي قد تدخل فيها مصر يوم أن يتم تفكيك الجيش.

وأتناول ذلك تفصيلاً في مقالي القادم إن شاء الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.