المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زكريا عبدالفتاح الشحيمي Headshot

أيها الداعون إلى تفكيك الجيش المصري.. انتباه "2"

تم النشر: تم التحديث:

لا شك في أن الحديث عن الجيوش العربية والمنطقة جميعها حديث ذو شجون، فما من عربيٍّ الآن يتأمل أوضاعها إلا وأصيب بحالة من الفزع والحَزن، فسوريا بسبب جبارها صارت بلا جيش ولا دولة، واليمن صارت بلا جيش ولا دولة، وليبيا كذلك، غير أن هناك دولاً عربية تبدو مستقرة، كالجزائر والمغرب، ورغم ما نراه من حالة الاستقرار، فإنني أصفه بالاستقرار المزيف،

وذلك لأن إحدى أهم ذرائع التدمير الذاتي قائمة بالفعل، إنها ذريعة ترسيم الحدود بين الشقيقتين، التي اندلعت بسببها حرب الرمال في أكتوبر/تشرين الأول 1963، توقفت الحرب بعد أشهر قليلة، وأبرم الطرفان اتفاقية وقف إطلاق النار في فبراير/شباط 1964، إلا أنها قد خلَّفت حالة من التوتر ما زالت مستمرة حتى الآن، وإن الحرب مبدؤها كلامُ.

أيها الداعون إلى تفكيك الجيش المصري.. "انتباه"

- ختمت مقالتي السابقة بقولي: إن كل مؤسسة تُصبغ بصبغة من يديرها، وسرعان ما تزول هذه الصبغة بزواله، وسوف أُذَكِّر بهذا الحدث تأكيداً على ذلك مرة أخرى.

- مساء الثامن والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011 قرر الحاكم العسكري لمصر "محمد حسني مبارك" فرض حظر التجوال في جميع الأنحاء، مع نزول وحدات الجيش لتتمركز بالشوارع والميادين، وذلك عقب انهيار قوات الشرطة وانسحابها.

- في ذلك اليوم وما بعده أبدَى جنود وضباط القوات المسلحة معاملتهم الطيبة مع الثوار وعموم الشعب، وذلك ما دفع الكثيرين إلى الاحتفاء والاحتفال بهم، بل والتقاط الصور التذكارية جوار المدرعات والجنود، الشاهد من هذا الاستدعاء يتجلَّى بهذا التساؤل: هل تلك المعاملة الطيبة من الجنود والضباط كانت من باب الخداع؟ أم أنها كانت تنفيذاً للأوامر؟، ولا ينبغي لأحد أن يقول بأن ذلك جاء من باب الخداع؛ لأن القواعد العسكرية تقتضي ألا يعلم الجنود والضباط بمثل هذا، فقط من يدير المشهد من أعلى، وتلك كانت صبغة زالت بزوال من يدير، وسرعان ما حلت غيرها محلها بمجيء غيره، "ويُسأل عنه من أتى به".

- أنتقل الآن لطرح تصور وتساؤلات حول ما قد تدخل فيه مصر في اليوم الأول لتفكيك جيشها.

-أولاً: تفكيك الجيش سيكون إما بقرار أو لفرار، مهما كانت الطريقة، جميعنا يعلم أن معظم وحدات الجيش متمركزة في صحراء مصر -شرقاً وغرباً- أقول: مع تفكيك الجيش وتسريح ضباطه وجنوده سوف تصبح تلك الوحدات خاوية من كل شيء إلا من مخازن الأسلحة، فمن سيقوم بتأمينها وقتئذ؟ وهذا تساؤل من رأى وليس من سمع، فالصحراء المصرية لا تخلو من الحياة، بل إن بها مجتمع -يعرفه المصريون باسم البدو- هو ككل المجتمعات، فيه الصالح والفاسد "ولستُ أرميهم بنقيصة"، ولكنها طبيعة كل مجتمع، فإذا أصبح التفكيك واقعاً، فإن هؤلاء لا يحتاجون لأكثر من ساعات للاستيلاء على ما في تلك المخازن من أسلحة، وهنا علينا أن نتساءل: بِيَد من سوف تقع هذه الأسلحة؟ وضد مَن سيتم استخدامها؟ ولْنستنبط الإجابة من خلال السطور التالية.

-ثانياً: ما هو البديل الفوري لهذه الأسلحة التي تُعد من أهم مكونات جيوش العالم، وعلى رأسها سلاح الدفاع الجوي، الذي بدونه تصبح سماء مصر مرتعاً للطيران العسكري والرمي الجوي من كل دول العالم - ولا ننسَ أنني أتكلم عن يوم يسعى إليه بعض المصريين- ثم سلاح القوات الجوية، الذي بدونه سوف يكون أي تحركٍ لمواجهة أي اعتداء "وقتها" تحركاً مكشوفاً من السهل تدميره في أقل من دقائق، ثم سلاح البحرية، الذي بدونه قد تصبح كل ممرات مصر المائية تحت الوصاية الدولية، لانعدام السيطرة عليها وعدم توافر شروط الأمان بها، ثم سلاح المخابرات، الذي بدونه سوف تصبح مصر مرتعاً لكل أجهزة الاستخبارات العالمية، والخطورة تتجلى بأمور ثلاثة: الرصد، والتجنيد، والصناعة.

- ثالثاً: نفترض أننا قد نجونا من كل ذلك -وهو مستحيل- فمن الذي سيصوغ حروف عقيدة الجيش الجديد؟ وأنا أعي ما أقول -نعم حروف وليس كلمات أو بنوداً- هذه النقطة تحديداً هي الإشكال الأكبر والعقبة الكؤود أمام من يسعون إلى ذلك، فحاملو الأجندات ومحبة الصدارات لن يتركوا الصادقين للسير خطوة واحدة نحو تحقيق هدفهم، وقد يتوقف كل شيء، وهذا ما سيحملنا إلى النقطة التالية.

- رابعاً: هل يضمن أصحاب تلك الدعوات تجنب مصر الصراعات المسلحة التي قد تندلع بين مجموعة من الفصائل يتم صناعتها خصيصاً لذلك، ووارد أن يكون هناك فصائل أخرى سوف تُصنع ذاتياً بتطور الأحداث؟ أما تسليحها، فلنذكر السلاح الذي تم الاستيلاء عليه.

- خامساً يقول أصحاب تلك الدعوات إن العقيدة الدينية لدى كل رتب الجيش المصري فاسدة -ربما قالوا بكفرهم- وبناء على كلامهم هذا، من أين سيتم استقدام خبراء عسكريين ليساعدوا على بناء الجيش الجديد؟ ومن أي الدول سيتم تسليحه؟ ومن أين ثمن ذلك السلاح الذي قد يصل إلى المليارات؟ وهل سيتركهم العالم يفعلون ذلك دون تدخل؟

- سادساً: منذ لحظة تفكيك الجيش حتى بناء جيش جديد، من الذي سيقوم بتأمين الحدود؟ وأعلم ما يقوله بعضهم في هذا الشأن، يقولون: الأصل أننا أمة واحدة ودولة الخلافة لا تعرف الحدود، وإنما ذلك من فعل الاستعمار، أقول: صدقتم، ولكن، هل الخلافة قائمة؟ أم أنها قادمة؟ ومن ثم فينبغي أن ينطلق الكلام بناء على الواقع الذي تعيشه الأمة.

- سابعاً: سيتوازى مع تفكيك الجيش بالضرورة، تفكيك الشرطة وغيرها من المؤسسات، فهل تتصورون الوضع في مصر في ظل ما سيحدث من فراغ عسكري وأمني وإداري؟ هل تتصورون كيف ستعيش مصر يوماً واحداً في ظل زوال الهيبة عن كل شيء بلا استثناء؟

- ثامناً: هل لديكم خطة للتعامل مع كل من سيتم تسريحهم من تلك المؤسسات وغيرها وهم بالملايين؟
- انتبهوا أيها السادة، ولتتوقفوا عن إطلاق هذه الدعوات المدمرة التي لن يتحمل تبعتها إلا غيركم، أقول هذا الكلام وأنا على علم بحجم الآلام الناتجة عن سوء الممارسات -لأنه ما من أحدٍ إلا وطالته- وأقدر تماماً تلك الصرخات التي تصدر نتيجة نكْأ الجراح العميقة، أتفهم حال ذوي الحماس الفوار والمشاعر الملتهبة، وأقول: تلك أمور لا تعترف بها السياسة، ولا تعيرها اهتماماً، فالعالم يلتفت إلى الأقوياء، لا لكثيري البكاء.

- وختاماً.. البدائل كثيرة ولكن يبدو أن اليأس قد تمكن من القلوب، وأكررها، بأن كل مؤسسة تُصبغ بصبغة من يديرها، وسرعان ما تزول تلك الصبغة بزواله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.