المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زينب بروحو Headshot

وانتهت الضجة.. حتى حقنة لاحقة

تم النشر: تم التحديث:

صور مؤلمة لدمار المدينة.. لأشلاء الأطفال والنساء.. وكلمات حزن ومواساة لأبرياء اغتصِبوا في أرضهم.. إنه التعاطف العربي على صفحات العالم الافتراضي.. تعاطف مثير للغرابة رغم ظاهره البريء.

حـلب، تلك المدينة السورية التي ربما لم يعرف اسمها قبل اليوم الكثير.. حلب بطلة العالم الأزرق لمدة لم تتعدَّ 10 أيام.. وفجأة تم توجيه كل الأضواء على حلب.. لقد بدأ القصف العشوائي على المدنيين، وانتشرت الصور وشاركنا في النشر، ليعم الخبر وليعلم الجميع.. ثم مرت تلك الأيام القليلة، وبدأت الصور والأخبار تقل رويداً رويداً حتى أصبحت في قديم حيطاننا الافتراضية.. وانتهت القصة وعادت المياه لمجاريها.

أسئلة راودتني منذ بداية الحملة الفيسبوكية: أين كانت حلب قبل هذه الأيام؟ وأين أصبحت حلب بعدها؟ هل هي حلب وحدها؟ أم سوريا كلها؟ وماذا استفادت حلب من ضجتنا الافتراضية؟

كما نعلم جميعاً، فقد عانت سوريا منذ سنوات.. تدمرت.. تقسمت.. وتشرد أهلها.. تم ترحيل الأسر بالآلاف لاجئين مشتتين بين الدول، ومرت الأيام، فألفنا القصة الجديدة، ولم نعد نتداولها.

الحقيقة أن سوريا لم تهنأ منذ بداية الربيع العربي، بل كانت دائماً تحت رعب القصف العشوائي.. سوريا كانت تعاني وما زالت تعاني .. وقبل سوريا العراق.. ومن قبل فلسطين.. كل يوم اعتداءات على المواطنين.. كل يوم استشهاد لآلاف المسلمين.. ولكن عندما طال بنا الأمد.. أصبحنا نعتبره واقعاً مقبولاً.. لا يحرك فينا ساكناً.. غير شعارات موسمية نحسبها تبرئة لذممنا ومساهمة بأقل ما يمكننا.

واليوم.. كما لخصنا فلسطين في غزة.. نلخص سوريا في حلب.. المعاناة مستمرة وانتهاك حرمة الإنسانية مستمرة..كل القصة أننا سرعان ما نتعود.. ثم لا نعود نهتم لأمر أحد.

تذكرني قصة التعود هذه بالحقن المستعملة لمعالجة الحساسية عند بعض الأشخاص، ويقوم مبدأ هذا العلاج على إعطاء الشخص سلسلة من الحقن التي تحتوي على مثيرات تحسسية، تسبب عادة أعراض الحساسية للمريض، تتم زيادة الجرعة أسبوعياً بشكل تدريجي حتى الوصول إلى أعلى جرعة من المثيرات التي لم تسبب ردود فعل تحسسية كبيرة تذكر.

إنها عملية التكيف.. الحقن تحتوي على مثيرات للتحسس، تعمل على تكييف جهاز المناعة لوجود هذه المثيرات في البيئة، فعند التعرض لها مرة أخرى، ستكون ردة الفعل أخف وربما منعدمة.

هذا تماماً ما حصل معنا.. نحقن منذ الصغر بأبشع الصور التي تعبر عن انتهاك حقوق الإنسان.. فهذه أشلاء الشهداء.. هذه دماء تسيل هنا وهناك.. هذا طفل رمى به البحر على الشاطئ.. هذه دموع النساء.. هذا ألم الجوع والشتاء.. وهذه أرض المسلمين تدمرت عن آخرها.. وجرائم نسِبت للإسلام.. فلا نتحرك لا لإسلامنا ولا لعروبيتنا ولا لإنسانيتنا.

مات الضمير .. وأصبحنا نأكل ونشرب وننام.. نرقص ونغني ونتوهم أننا بخير.. لكن.. كل خوفي أننا سنجني عن قريب أشواك الغفلة.. وسنشرب من نفس الكأس.

وانتهت 10 أيام من الضجة، والعالم العربي يعاني، والصوت العربي لا يزال مختنقاً.. انتهت القضية في بضعة سطور وهمية؛ لأنها لم تعش لحظة في قلوبنا أو اعتبرناها قضيتنا.. بل زينت لساعات حائطنا الافتراضي.

كل ألمي على عالم لا يحترم الإنسانية.. وكل حسرتي على أمة لا تدافع عن كرامتها.. تباً لأنانيتنا.

أتساءل كيف لمن فقد قريباً أن يرقص في مأتمه؟.. نعم .. إنه الشعب العربي.. سنغني لموتانا في المهرجانات.. ونرقص على أشلائهم.. سنشكر لقاتلهم تلك القنابل التي أرسلها عليهم.. كيف لا وهي قنابل باسم تحقيق السلام.

فهنيئاً لنا على تغيير صور بروفايلاتنا.. شكراً لمن نشر دعاء من أجل الشهداء على حائطه.. شكراً لأننا نشرنا الصور ولأننا شهدنا على مذبحة جماعية كانت وما زالت مستمرة.. هنيئاً لضمائرنا التي تكيفت مع الواقع.. بحقن ضد النخوة والغيرة عن الدين والأرض والمقدسات و.. عن الإنسان.

ربما سيجيبني أحدهم بكل ثقة: إن العيب على حكامنا.. أما نحن المواطنون البسطاء المستضعفون في بلداننا.. فما في استطاعتنا إلا الدعاء والمساهمة بالكتابة أو الشعر أو الأغنية.. وبعض الوقفات، ولم لا مسيرة سنوية للتذكير بالقضية؟!

أقول إنها أعذار واهية؛ لأن أصل المشكل هو أنا وأنت.. والقاعدة النبوية تقول: "كيفما تكونوا يولى عليكم".. فالقاعدة واضحة.. إذا رأيت الظلم والفساد في أرضك فانظر إلى أفعالك.. صلاح الحكام وقوتهم في صلاح الشعوب وقوتها.. وصلاح الشعوب وقوتها في صلاح الفرد وقوته.

إن الصور الأليمة التي نشاهدها لا بد أن توقظ فينا اليوم ذلك الضمير الغافل.. يجب أن توقد ناراً بداخلنا.. ناراً نحرق بها الجهل.. نحرق بها الغفلة؛ كي ندرك العدو من الصديق.. ونفهم اللعبة بدل ابتلاع الطعم.. فليعلمونا معنى التعايش والحرية على مقاساتهم.. ولنجدهم أول رعاة الإرهاب باسم محاربة الإرهاب.

حلب.. تنادي.. تخبرنا اليوم أنني أنا وأنت السبب.. ولكن فينا أنا وأنت الأمل.

إصلاح الذات هذا هو الأمل.. ربما هي سلسلة مترابطة تحتاج سنوات كي تحقق التغيير، وقد لا نعيشه نحن.. لكن لنكن ممن يضع أولى حلقاته ويزرع أولى بذراته.. فأطفالنا بحاجة لاستنشاق هواء نقي من العلم والأخلاق.. والأمل.

القوة تبدأ باليقين، واليقين يهدي إلى التقوى والتقوى إلى الصلاح والإصلاح ثم إلى تقدم الأمة.

يقول عمر رضي الله عنه: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".. ولا يزال الذل يلحقنا ما دمنا نصدق أن الإسلام مشكلتنا.

عفواً حلب.. كنتِ الحقنة هذه المرة.. حقنة من صور الموتى والأشلاء .. صور للألم والدموع والدماء.. صور تنقل ألم شعب.. لكن يبدو أننا أصبحنا نستمتع بمشاهدتها كما نستمتع بأفلام الدراما والرعب.

عفواً حلب.. فردة فعلنا كانت كافية لنتأكد أن الحقن فعالة والفتيل الذي احترق في 10 أيام لم يكفِ حتى لترك رائحته خارج العالم الافتراضي.

ولا تزال حلب تنادي: ابدأ بنفسك اليوم قبل الغد.. فهل من مستجيب؟
وانتهت الضجة.. حتى حقنة لاحقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.