المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زينب بروحو Headshot

لأنها تشبه القمر

تم النشر: تم التحديث:

الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل.
المكان: غرفة استراحة طبيب الحراسة.

جلست وحيدة في الغرفة، الصمت يملأ الأرجاء، الهدوء والسكينة ينذران بأن المرضى ومرافقيهم قد خلدوا للنوم، أو ربما يحاولون، تطل من نافذة الغرفة، القمر مكتمل الليلة، ويتوسط السماء السوداء، يؤنس وحدتها الموحشة.

جلست شاردة، لم تكن تفكر في شيء، الوحدة اليوم تؤلمها، ربما هي ليست أول مرة تداوم فيها في المستشفى، لكن اليوم كل شيء غريب، تنفسها سريع، عيناها متعبتان، تُرى ما الذي جرى؟

رنَّ الهاتف فجأة، إنهم يطلبونها في المستعجلات، حملت جسمها المنهك بسرعة، أخذت نفساً عميقاً ورسمت ابتسامة على محياها؛ لتخفي ضعفها وغادرت الغرفة.

المريض رجل مسن دخل في غيبوبة حادة بسبب نزيف في دماغه، تسرع هنا وهناك من أجل إيجاد مكان له في الإنعاش الطبي، دون جدوى، أبناؤه يسألونها، ينتظرون أن تخبرهم أن والدهم سيكون بخير.

وقفت كما تقف في كل مرة، كانت تبدو قوية وتتحدث بحزم: "والدكم يحتاج مكاناً في الإنعاش؛ لأن حالته جد حرجة، لكن للأسف لا مكان"، تستجمع قواها لتتلقى الكدمات، ملامح من اليأس تعلو الوجوه، ودموع تملأ العيون.

أنهت فحص مرضاها، وعادت تجر خيبات الأمل وأكيال التعب إلى غرفتها، وفجأة انهارت باكية، بكت ثم بكت ثم بكت، واستسلمت لضعفها، ها هو خيالهم يزورها من جديد، ترى تلك الأم التي توفيت وتركت وراءها صغاراً، تذكرت مروة وتذكرت حنان، تذكرت طفلاً مبتسماً لا يدري أن مرضه سيفتك به قريباً، تذكرت شاباً مات بسبب طيشه ولا مبالاته في القيادة، وتلك الفتاة التي انتحرت لأسباب تافهة.

بدأت القصة بحلم بريء، حلم صغير، مع عناد كبير، تريد الطب، الطب وفقط، لم تكن تدري لمَ، لكنها لم تكن ترى في نفسها شيئاً غير الطب.

جاهدت طويلاً من أجل تحقيق ذلك الحلم حين كان الجميع يخبرها بأن الطريق طويل، وأن طريق الطب صعب ومتعب، ولم يزدها ذلك سوى إصرار على الوصول، ثم بدأت سنوات الطب الطويلة تطوى سنة بعد سنة، 7 سنوات من الدروس والامتحانات والتدريبات الاستشفائية، مرت بحلوها ومرها بحمد الله وتوفيقه، سنوات تعرفت فيها على مبادئ في الطب، قابلت فيها أصدقاء وأشخاصاً رائعين، سنوات كان يحول بينها وبين المريض ذلك الأستاذ المدرب.

واليوم، ترى عشرات المرضى، تواجه حالات لوحدها، ويجب أن تتخذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، ترى ما الذي ينتابها الليلة؟

أن تكون طبيباً طالباً أو طبيباً داخلياً أو مقيماً فهذا يعني أنك تقضي في المستشفى وقتاً أكثر مما تقضي في المنزل مع والديك، وإخوتك أو أصدقائك.

أن تكون طبيباً يعني أنك سترى في اليوم عشرات المرضى، وتقابل حالات اجتماعية كثيرة وتفقد كثيراً منهم وأنت تحاول أن تنقذهم.

أن تكون طبيباً يعني أنك ستعيش فراق الأحبة وتضطر لإخبارهم بضعف الأمل، بل وأحياناً تخبرهم بنقص الإمكانيات والأجهزة، سترى الألم مرات ومرات، سترى ملامح الخوف واليأس والحزن، وسترى كيف أن الفقر والجهل يقتلان أكثر من المرض.

ستخرج للعالم صامداً وحازماً، فيظن الجميع أنك فقدت الإحساس بمعاناة الآخر، وأن الموت لا يهز كيانك ولا يؤثر فيك، بل وستسمع كلاماً جارحاً مرات ومرات ممن أقسمت على خدمتهم، وستضطر للاستماع لكل الإهانات، ولن يفهم أحد أنك تفقد بدل المرة مرات، فأنت ترى في كل امرأة أمك وكل طفل أخاك، في كل رجل أباك، لا أحد سيفهم لأنه لا أحد سينزع الغطاء على وجهك الليلة؛ ليستمع لأنينك أو يرى دموعاً ذرفتها لأجل أشخاص لم تقربك بهم صلة يوماً.

أن تكون طبيباً يعني أنك ستعرف الكثير عن الحياة، وأكثر من الحياة عن الموت.

انتبهت فجأة، نظرت إلى البدر المشع، إنه يخبرها أنها تشبهه، في نوره الساطع حين اختفت كل الأنوار، وفي الأمل والدفء الذي يدخله على النفوس حين تقفل الأبواب، أخبرها بهمس: أنت نور الله في الأرض.

ابتسمت للقمر أخيراً، ابتسمت لأنها رغم التعب تعشق الطب، متعلقة هي به ولا تجد سعادتها إلا معه.

تذكرت أن الطب علَّمها معنى الحياة وكيف تقدر قيمتها، علَّمها أن تستغل كل اللحظات مع أقرب الناس إليها، علَّمها أن الحياة نعمة يجب زرع الخير فيها.

تذكرت أن الطب علَّمها معنى الصبر والحلم، وأن لكل شخص قصة طويلة ومتعبة، علمها كيف تزرع الأمل والثقة بين الناس.

تذكرت أن الطب علَّمها أن الحياة دار بلاء، وأنها قصيرة مهما طالت.

تذكرت أن الطب علَّمها أن الإنسان بأجهزته من عقل ورئة وقلب، أكبر المعجزات، وأن الطبيب الذي ينكر أن للكون خالقاً، لم يعرف حقاً عن الطب شيئاً.

تذكرت أن الطب عرفها على أناس رائعين، يحبون العمل ومساعدة الغير، مجدين متفائلين ومجرد ذكراهم تسعدها، وتدعوها للاستمرار.

تذكرت ابتسامات اللقاء ودموع العناق، ملامح الفرح بعد الشفاء، وتذكرت دعاء المريض.

للطب قصة طويلة لكنها عجيبة، جميلة وممتعة، بحلوها ومرها، تأخذك إلى عالم الأحياء فلا تمل ولا تنتهي من اكتشاف عجائب الإنسان، ثم تأخذك لتكتشف العلاقات الاجتماعية، وبهذا تكون فكرة ناضجة عن حقيقة الإنسان وحقيقة الحياة.

إنها الثالثة بعد من منتصف الليل.. ودَّعت القمر مبتسمة، حملت جسمها المنهك، وعادت لقاعة الفحوصات الطبية، تحمل أملاً وفرحاً وحلماً، كانت سعيدة؛ لأنها حقاً تشبه القمر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.