المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زينب محمد  Headshot

من بكيتهم شوقاً لم يبكوك "1"

تم النشر: تم التحديث:

بكى فجأة، لم يبكِ حزناً ولا ألماً.. إنما أبكاه الشوق.. كما قال.

فتى ذو مكانة رفيعة وصاحب شأن بين أهله، يأمر وينهى ويُستشار فتُعمل باستشارته، كان "عمرو" كريماً، حتى إنه لُقب بـ"هاشم" لهشمه الخبز لتقديمه لضيوف البلد، يخرج بين البلدان تاجراً، تزوج "سلمى" وأقام عندها، فكان له ثلاثة بنين، وخمس بنات، ثم خرج في تجارة إلى الشام، وكانت قد حملت منه في رابع بنينه، فمات في طريقه بغزة من أرض فلسطين، ولم يرَى ولده الذي ولدته "سلمى" في بيت أهلها وربتّه به بعيداً عن أهل أبيه، سمتهُ " شيبة"؛ لشيبة كانت في رأسه.

عندما بلغ "شيبة" سبع سنين أو ثمانية، سمع به عمه الذي كانت أملاك "عمرو" قد نُقلت إليه في مكة، فرحل في طلب ابن أخيه، فلما رآه فاضت عيناه وضمه، وأخذه على راحلته فرفض حتى يستأذن أمه، فطلب منها عمه ذلك فامتنعت، حتى سألها أن تتركه ليمضي في ملك أبيه.. فتركته.

وكبرّ وترعرع عند عمه الذي مات في أرض اليمن، فتولى من بعده الشؤون وأقام في أهله ما كان يقيمه آباؤه، فشرف في قومه شرفاً لم يبلغه أحد من آبائه، تزوج من "فاطمة" وأنجب منها عشرة من البنين أو إحدى عشر، وأما البنات فأنجب سِتّاً.
وكان أحب البنين إلى أبيهم وأعفهم وأقربهم إليه "عبد الله"، فاختار له زوجه تعد أفضل امرأة نسباً وموضعاً، تزوجها في مكة، وبعد فتره أرسله أبوه في تجارة إلى الشام فمات في طريقه بالمدينة إلى مكة، وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، وقد ترك جنيناً لزوجته، وخمسة جمال، وقطعة غنم، وجارية اسمها" بركة".

في صبيحة يوم الاثنين وضعت حملها، فأرسلت إلى "شيبة"، تبشره بحفيده، فجاءها مستبشراً وحمله ودخل به إلى الكعبة، ودعا الله، وشكر له، واختار له اسماً، أرضعته أمه أسبوعاً ثم أرضعته من بعدها "ثويبة"، وكانوا يلتمسون المراضع للأولاد لتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم، ثم التمس له جده مُرضعة أخذته وزوجها إلى بلدهم، حتى بلغ سنتين، فعادت وزوجها به إلى أمه، وكانت مريضة، فطلبا منها أن يرجعا به حتى تبرأ من دائها، ولم يتركاها حتى وافقت.

مرتّ أشهر ثلاثة، أو أربعة.. حتى جاءهم أخوه وهو يشتدُّ ويخبرهم أن رجلين قد شقا بطنه، فخرجت إلى حيث كان هي وأبوه فوجداه وقد تغير لون وجهه، وما أن رآهما حتى أجهش إليهما وبكى، فضماه إليهما وقد تملكهما الفزع، حكى لهما أن رجلين أضجعاه وشقا بطنه ووضعا به شيئاً ثم رداه كما هو، فقال أبوه: والله ما أرى ابني إلا وقد أصيب، الحقي بأهله فرديه إليهم قبل أن يظهر له ما نتخوف منه،

فحملوه وقدموا به إلى أمه التي ما رأتهما إلا وقد استنكرت شأنهما، وقد أرجعاه قبل أن تطلب، وقد كانا حريصين على أخذه، فبرروا بأن أمر الرضاعة قد انتهى، وأنهما قد أحبا أن تؤويه كما كانت تحب، فلم يُقنعها ردهما وما تركتهما إلا وقد أخبراها بحقيقة الأمر، فاستنكرت ذلك وقبضته منهما، وعاش في كنفها حتى بلغ ست سنين، فماتت في الطريق وهم عائدون وقد قدمت به على أخواله، فكفله "شيبة"، وعاش في كفالته، فكان يؤثره على أبنائه، أي أعمامه ويحبه حباً عظيماً، ويرق لحاله كما لم يرق على أحد من أولاده،

فكان لا يدعه لوحدته المفروضة ولا لجروحه التي تنكأ على ما قبلها.. وبعد عامين من كفالته توفي "شيبة" فضمه عمه إلى ولده، وأحسن إليه إكراماً لأخيه وإرفاقاً بحاله، واختصه باحترام وتقدير وبسط عليه حمايته، وكان عمه مُقِلاً في الرزق، فعمل معه لمساعدته، وكانت رعايته للغنم تتيح له الهدوء الذي تطلبه نفسه، وتتيح له مناجاة الوجود في هدأة الليل وظلال القمر ونسمات الأسحار، تتيح له نوعاً من التربية النفسية من الحلم والصبر والرأفة والعناية بالضعيف حتى يقوى وتجنب الهلكة ومواقع الخوف من كل ما لا تتيحه حياة أخرى بعيدة عن جو الصحراء، فنال حظاً وافراً من حسن الفطنة وأصالة الفكر، وقد حاطه الله بحفظه من نزعات نفسه لاستطلاع بعض متع الدنيا التي تنزع إليها الشباب ببراءتها وفطرتها،

فكانت تحول العناية بينه وبينها.. ولما بلغ اثنتي عشرة سنة ارتحل به عمه إلى الشام في تجارة، ومن ثُمَّ أعاده مع بعض غلمانه إلى مكة وأكمل هو.. فلم يكن له عمل معين إلا أنه حين شب انتقل إلى العمل بالتجارة.. وفي الخامسة والعشرين من عمره خرج تاجراً إلى الشام -بمال تاجرة كانت تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم- فلما عاد ووجدت في مالها زيادة ومنه حرصاً وأمانة لم تشهد مثلها،

فتحدثت بما في نفسها مع صاحبتها، فعرضتها عليه، فكانت رحلته سبباً في زواجه منها، بعد أن عرض الأمر على أعمامه، فخرج معه عمه وخطبها له، وهي التي قد وجدت فيه ضالتها المنشودة، وولدت له غلاماً ثم أربع بنات، ثم غلاماً سماه "عبد الله"، ومن ثم ذاق مرارة الفقد من جديد مع غلامه كما ذاقها من قبل مع أبويه وجده..

"من عرف اشتاق.."

مستدير الوجه، مسنون الخدين، ولم يكن مستديراً غاية التدوير، بل كان بين الاستدارة والإسالة، واسع الجبين، كثيف اللحية، جماله ظاهرٌ على وجهه، عينه سوداء يُظهرها شدة البياض حولها، في شعر أجفانه طول، متقوس الحاجبين، أقرن، أكحل العينين وليس بأكحل، ضليع الفم، أفلح الثنيتين، في صوته بحة يسيرة، لا يضحك إلا تبسماً، وإذا غضب احمر وجهه كأنما فقئ في وجنتيه حبُّ الرمان، إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر.. في عنقه طول، سواء البطن والصدر، بعيد ما بين منكبيه، غليظ الكفين والرجلين.. جواد الكف، جريء الصدر، صادق الحديث،

وفي الذمة، ليّن العركة، كريم العشرة، من رآه هابه، ومن خالطه أحبّه.. تراه من بعيد فتلاحظ بهاءه، تنظر من قريب فتُعاين حُسنه وجماله، كان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق، وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائف الحياة وشؤون الناس وأحوال الجماعات، فعاف ما سواها من خرافة، ونأى عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره، وأمرهم.. فما وجد حسناً شارك فيه، وإلا عاد إلى عزلته العتيدة.

"ومن اشتاق بذل.."

محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (واسمه شَيبة) بن هاشم (واسمه عمرو) بن عبد مناف (واسمه المغيرة) بن قُصَي (واسمه زيد) بن كلاب بن مُرَّه بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر (وهو الملقب بقريش وإليه تُنسب القبيلة) بن مالك بن النضر (واسمه قيس) بن كَنانة بن خُزيمة بن مُدرِكة (واسمه عامر) بن إلياس بن مُضَر بن نَزار بن مَعَدّ بن عدنان.
يتبع..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.