المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زينب حجار Headshot

تصرفاتنا في عالم الإنترنت

تم النشر: تم التحديث:

من يقرأ التعليقات في الصفحات العامة في وسائل التواصل الاجتماعي يرى أن كثيراً منها يحتوي على السب والشتم والاستهزاء بالآخرين أو ما يخدش الحياء، وأقلها تعليقات قاسية، يتبادر إلى الذهن التساؤلات: هل سلوك مستخدمي الإنترنت هو هكذا على أرض الواقع أم أنهم يتصرفون بهذه الطريقة؛ لأنهم في عالم افتراضي يؤثر عليهم ويدفعهم للتصرف بهذا الشكل؟ لماذا تختلف تصرفات وسلوكيات البعض في الإنترنت عن الواقع؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، علينا معرفة بعض العوامل التي قد تؤثر في العملية الاتصالية بين المتصلين عبر الإنترنت، حدد علماء الاتصال بعض خصائص التواصل عبر الإنترنت التي قد تؤثر في سلوك الفرد في الإنترنت، منها:

إخفاء الهوية: من السهولة لأي مستخدم للإنترنت إخفاء هويته الحقيقية، فكما يقولون: "في الإنترنت يمكنك أن تكون من تريد"، يمكنك أن تغير من جنسك أو عرقك أو طبقتك الاجتماعية وتكون من تريد. يقول الخبراء بأن إخفاء الهوية هي الخاصية الأساسية التي تجعل مستخدمي الإنترنت يتصرفون بطريقة لا يستطيعون التصرف بها على أرض الواقع. برأيي حتى وإن استخدم المستخدم اسمه الحقيقي وصورته الحقيقية فقد يتصرف بشكل سلبي في الإنترنت، فالطرف الآخر لا يعرفه لا من بعيد أو قريب وهما لم يلتقيا على أرض الواقع، فمن الذي سيكترث إن قام بشتمه أو الإساءة إليه شخص يدعى زينب حجار مثلاً؟ وما أكثر التعليقات المسيئة التي تصدر عن أشخاص بأسماء حقيقية!

التفسير الشخصي للرسالة: يقول سولر بأنك عندما تقرأ رسالة عبر الإنترنت فأنت تشعر بها وتتفاعل معها عن طريق صوت داخلي يصدر منك، إما أنك تتخيل صوت صديقك وهو يجيبك -بالرغم من أنك تقرأ نصاً مكتوباً- أو ربما تخترع صوتاً وهمياً لشخص لا تعرفه على أرض الواقع، مما يجعل طريقة فهمك وتفسيرك للرسالة محطاً للتساؤل: هل فعلاً فهمك دقيق للرسالة؟ والأمر الآخر: كم مرة حاولت إعادة قراءة رسالة وصلتك عبر الفيسبوك وفي كل مرة تفسرها بشكل مختلف؟ صديقك أجاب بـ"طيّب" هل بانزعاج أم رضا أم بإحباط؟ اختلاف تفسيرات الرسالة ناتج عن انعدام التعابير غير لفظية كنبرة الصوت والإيماءات وتعابير الوجه والتي تمثل حوالي 93% من حجم الرسائل، كما يقول خبراء الاتصال. إن كانت التعبيرات غير اللفظية -وهي الأكثر مصداقية- تمثل هذه النسبة الهائلة من الرسائل، فماذا بقي لنا لفكه لفهم الرسالة؟ 7% فقط؟ يقول البعض بأن "الإيموجيز" أو الأيقونات هي البديل لإيصال المشاعر للطرف الآخر، لكن هل فعلاً أنت تعني كل أيقونة ترسلها؟ كم مرة أرسلت أيقونة تبكي، هل فعلا كنت تبكي؟ يمكن لأي مستخدم التعبير عن أي حالة وإن كان فعلاً لا يشعر بذلك فيرسل أيقونة قبلة مثلاً أو ابتسامة وهو فعلياً منزعج أو يكره الطرف الآخر! كيف تعرف أن الطرف الآخر صادق تماماً في مشاعره؟

وهنا نأتي للفكرة الشائعة التي تقول: إن ما يفعله المرء في الإنترنت بلا أثر واقعي أو أن أثره على الغير ضعيف جداً. بحسب آراء بعض الخبراء فإن التواصل عبر الإنترنت قد يكون ذا أثر أكبر من التواصل وجها لوجه؛ لأن ذلك يجعل الشخص يبالغ في التخيل أو تهويل معنى الرسالة، كما أن كل الرسائل محفوظة ويمكنك الرجوع إليها. لنقل إن شخصاً وجه إليك رسالة جارحة فإنك تستطيع قراءتها مرات عديدة، مما قد يزيد من أثر الرسالة أكثر مما لو وجهت إليك مرة واحدة وجهاً لوجه أو عبر الهاتف.

انعدام الظهور الاجتماعي: تقول كثير من الأبحاث بأن هناك اختلافاً بين سلوك الإنسان على أرض الواقع وفي عالم الإنترنت؛ لأن الظهور الاجتماعي معدوم في الإنترنت، فنحن لا نرى بعضنا عبر الإنترنت أو لا نتواجد وجهاً لوجه، كل طرف قد يكون وحيداً في غرفة لا يراه أحد، أو ربما قد يكون الشخص غاضباً منك في الواقع، لكنه يرسل ابتسامة إليك، وحتى لو تواصلت عن طريق الفيديو إلا أن الظهور الاجتماعي ناقص.

تأخر ردود الفعل: معظم التواصل عبر الإنترنت متأخر وليس فورياً، الناس لا يتفاعلون مع بعضهم البعض في نفس الوقت، أي أن لديك القدرة على التحكم في الوقت، فقد ترد على أحدهم بعد عدة دقائق أو ساعات أو أيام! وربما إن أجبت عليه لحظتها لكان ردك عنيفاً، لكنه بإمكانك تأخير الرد والرد بهدوء. هل فعلاً كلما أجاب عليك أحد في الإنترنت بلطف يعني أنه لطيف فعلاً معك؟ واقعية التواصل عبر الإنترنت في محل شك، هل يجب أن نبني علاقاتنا وحكمنا على الآخرين من خلال التواصل عبر الإنترنت؟

انعدام المحاسبة: تكثر التصرفات السيئة والجرائم عبر الإنترنت، لكن عدداً ضئيلاً ممن يقومون بذلك يتعرضون للمحاسبة والعقاب، انعدام المحاسبة في الإنترنت سبب آخر يجعل من السهل على أحد الإساءة إلى الغير في الإنترنت، وما أكثر الجرائم والسلوكيات السيئة التي تحدث في الإنترنت من تحرشات جنسية تنمر وإزعاج إلكتروني ، رسائل غير مرغوب بها، التشهير وغيره.

والسؤال الذي يراودني دائماً عند رؤية التعليقات العامة في وسائل التواصل الاجتماعي: يا ترى لو اجتمع كل هؤلاء في مكان واقعي واحد هل سيعلقون بنفس التعليقات في الإنترنت؟ هل بنفس اللهجة والأسلوب؟

وللحد من التعليقات المسيئة أو القاسية أعتقد أنه من الجيد قبل الرد على أي تعليق أو توجيه رسالة عبر الإنترنت أن نتخيل أنفسنا ونحن نتحدث مع الطرف الآخر وجهاً لوجه، أعتقد أن تخيل ذلك سوف يساعدنا على توجيه رسائل أفضل وأكثر لباقة مع الآخرين في العالم الافتراضي.

لنحاول أن نراقب تصرفاتنا ورسائلنا وتعليقاتنا في الإنترنت، فالإنترنت بات يأخذ حيزاً كبيراً من اتصالاتنا ووقتنا؛ لنحاول الاطلاع أكثر في مجال التواصل عبر الكمبيوتر وعلم نفس الإنترنت، لنتذكر أن ليس كل ما يصلنا عبر الإنترنت صحيحاً أو على الأقل كامل الصورة؛ لنتذكر أننا نتواصل مع بشر لديهم مشاعر وأحساسيس، وإن كنا فعلياً نجلس وحدنا في الغرفة ونلامس شاشة هواتفنا الذكية أو لوحة مفاتيحنا حتى إن كنا نختفي خلف اسم مستعار وصورة مستعارة، أرجو ألا ينسينا الإنترنت إنسانيتنا!

المراجع
Suler, J. (2004). The Online Disinhibtion Effect. Cyber Psychology & Behaviour.
Suler, J. (2005). The Online Disinhibtion Effect. International Journal of Applied Psychoanalytic Studies.
Dijk, J. A. G. M. The Reality of Virtual Communities. Utrecht University.
Shechtman, N. & Horowitz L. M. (2003). Media Inequality in Conversation: How People Behave Differently When Interacting with Computers and people.
Kiesler, S., Siegel, J. & McGuire T. W. (1984) Social Psychological Aspects of Computer-Mediated Communication.
Slater, D. Social Relationships and Identity Online and Offline.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.