المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زين العالول Headshot

الصداقة الحسية والإلكترونية

تم النشر: تم التحديث:

أريد اليوم أن أطلق العنان لقلمي، فأمنح الحروف سياقاً خاصاً ومن نوع جديد.. لن أكبل الكلمات، ولن أقيد الجُمل، ولن أدثر الأفكار.

أريد أن أحدثكم عن واقع مر بتنا نعايشه، وعن حاضر أمسى واجباً مقيتاً، فبعد ثورة الإنترنت وبعد العولمة، وما أفرزته من نتائج، أمسى العالم قرية صغيرة بكبسة صغيرة تعرف ما يدور فيه، وهذا جيد على المستوى المعلوماتي، ولكن غدت أجهزة الاتصال كالقيد حول أيدينا وحواسنا وكالعين والرمش لا نكاد نبتعد عنه حتى تحن اليد لالتقاطه، وهذه أفرزت في عالم الإنترنت فوضى عارمة، وهذا تأتَّى لسهولة التواصل الاجتماعي الإلكتروني وتسارع وتيرة أحداثه، والاطلاع على مجريات أموره.

لو عقدنا صداقة صريحة، بشفافية مطلقة، على صفحات التواصل الاجتماعي فقد نسلط الضوء على التوافق لهذا القيد، أو عقدته ودفة خلافه، إن التواصل الإلكتروني همَّش مساحات فسيحة من التلاقي بين البشر وقزم الصداقة الحسية، وأخفى بنود وشروط تحقيقها، فمثلاً الفيسبوك أكل الأخضر واليابس لتلك العلاقات الجميلة البريئة فعطّل ذلك الإحلال الافتراضي (سواء أبينا أو رضينا.. غضبنا أو أجبرنا) عطَّل وخرَّب حقول حياتنا وحياة أولادنا وأحفادنا.. فهناك إدمان حقيقي يُعمي بصيرتنا ويؤرق نومنا، ويسرق أوقاتنا وساعات راحتنا، اختزلنا العلاقات الحسية الجميلة، بدل مرحباً نكبس لايك، وبدل الزيارة نكتب التعليق، وبدل فتح الباب نعمل إضافة، وبدل حسن الضيافة نعمل مشاركة، وبدل الاعتذار عن الاستقبال، غض طرف مع أن البوست شوهد!.. ولو جاكرت وخاصمت إنكار.. ولو قاطعت يستحق بلوك، مما أدى لنسيان لغتنا وإهمال كتابنا، وهجر قرآننا وظلم كبارنا.. وعكسه التواصل الحقيقي الواقعي الحواسي: البصري، والسمعي، والحسي، والجسدي.

ولنعرف التباين بين الصداقتين، وما مفهوم الصداقة الحسية؟ وما هي الصداقة الإلكترونية؟ دعوني أعرف لكم الصداقة، والصديق، والصديقة، هو أو هي رفيقة الدرب التي صاحبتك، على شوارع ومدارس العلم. أو التقيت به أو بها في هذا العالم المترامي الأطراف.

فالصداقة هي الصفة الجميلة في شفافيتها، ومشاعرها، وكلامها، ومراحِلها، وما نشعر بهِ من أحاسيس، سواء في كلمة حب، أو تفاعل موقف، أو تناغم حركة، أو تلاقي نفوس، ووجوه محبة ترى في الآخر من صفات ما لا تراه في نفسها، من غير أن تنبس بكلمة، فهي تفاعل حقيقي ابتدأ منذ الطفولة، واستمر للكهولة، هي قيمة إنسانية بين شخصين أو أكثر، ترتكز على أسس متينة، واقعية خالصة لمشاعر وجدانية.

تعتمد الصداقة الحقة على ثلاثة أوتاد لتنشأ خيمة الصداقة:

أولها: الاعتمادية المتبادلة وليس المصلحة المطلقة وهذه لا تتم إلا بحضور روحي وجسدي.
ثانيها: المشاركة الوجدانية التي تتلاقى فيها الاهتمامات المشتركة.
ثالثها: الانفعالات المثارة التي تعزز تلك الصداقة، كالمحبة والحزن والغضب وغيرها، تلك شروطها التي تتعزز بها، وتتألق، بحضور خمس حواسها التي تفتقر إليها ما نطلق عليه صداقة عبر الشبكة العنكبوتية.

الصداقة الإلكترونية هي صداقات جافة هشة افتراضية، قابلة للمسح (delete)، أو الإضافة (add)، أو الإنكار (ignore)، أو صد الباب (بلوك)، هي مصارعة على حلبات التواصل لقلوب تتطاير، ولوجوه تتضاحك، أو تتعابس، أو لورود تتناثر مع قبلات بشفاه غليظة تتمايل.

هذه اللايكات والمشاركات والتعليقات وغيرها من الرموز أصبحت تغني عن التلاقي وتغني عن المشاعر هي مشاعل بلا نور، مروَّسة ومغلفة بنفاق، وكشف لسرية البيوت، سمحت لنا بالولوج لغرف وحدائق المنازل، ولقاعات المسافر، والمشاركة بمائدة وطبخات العوائل، ومشاهدة حفلات العرايس، وأعياد ميلاد الأولاد والهوانم، والمباركات لكل خريج أو حج مبارك، فهي إقحام لسيرة وسلوك الحاضر والغائب ولأفراد معلومي ومجهولي الهوية وبلا مراقب.

هي محاكاة وغيرة وتقليد، كل يراقب الكل وكل فاعل يعرب المفعول، ويجاهر بفضح المستور، وبجلب أصل المنشور، وبفتح أبواب مشرعة وبقضاء حوائج من غير كتمان، تعقد هذه الصداقات ما بين أشخاص أو جروبات على مائدة جافة فيها زاد مكون من رموز لا تطعم ولا تغني من جوع، كصورة وجبة مطعم وضعت للدعاية قبل طلب الوجبة، انظر مجاناً بلا تذوق، هي تعتمد على نقاوة الشبكة العنكبوتية وصفائها، وموقع أداة التواصل وقوة شحنها، وليونة أصابع ومزاجات أصحابها، وهذه الجروبات التي تدعي الصداقة مؤلفة ما بين خمسين وخمسمائة عضو، حسب درجات التواصل.

أما الصداقة الحقة فهي محدودة الأفراد، وهي ذلك الشيء العظيم، الذي يعتمد على الوفاء، وتبادل الثقة والحنان، فهل يستطيع أحدنا أن ينزوي بعيداً دون صديق ورفيق؟!

حتى ولو كان أمامه كل أدوات التواصل، فالصداقة عن بعد لا تعني شيئاً، ما قيمة الحياة إذا لم يشاطرك حلوها ومرها كائن إنسان، تكاشفه وتكاشفها همومك، تقاسمه وتقاسمها نصف رغيف عسلها، وقهوة صباحها وشاي مسائها؛ لترسم الذكريات الجميلة على بساط مراحل الأعمار، وفي الفكر والكيان، وليس تعبيراً جافاً وكبسات وجوه غبية وحروف مضيئة، فكلمة حب من وجه محب، أو تعبير، أو لمسة، تنم عن ذوق، من يد تحن، أو حس يلمس، عبر مكالمة تليفونية أو عبر زيارة قصيرة، أو زهرة أو وردة بعبير، تغني عن كل تلك المشاركات واللايكات السخيفة.

فالصديق هو من يمكن التكلم أمامه من غير إحراج، وكأنك تتكلم مع نفسك، أما الأخرى فلو نويت التهنئة أو التعزية، فهي كبسة إصبع على اللايك أو تعليق منمق، على الواتساب، أو بوست ملون يقوم بالمهمة، وتكرار كلمة نورت، ويا نوارة، ويا باشا ويا معالي، ألقاب مفبركة، وأسماء مطرزة، وعبارات منافقة، ونجوم محلقة، وقد تكون بأسماء مزيفة، ووجوه مقنعة.

للصداقة الحقة أنواع وأشكال، ولكن أصعبها وأهمها الصداقة مع النفس، إنها الاعتراف للذات دون مواربة أو محاكاة، إنها الغوص في دهاليز النفس لعقد امتحان مقرر لنقد الذات، إنها المحكمة داخل أروقة وجناح جوهر الإنسان.

* لغة العيون هي أول شاهد يدلي بقول الحق من غير قسم أمام قاضي العدل.
* دقات القلب تتغنج لقول الحق ولحقيقة الإنصاف.
* الأمعاء والمعدة تشتد تقلصاتها لهضم بياناتها الجنائية ولتخفي بصمة مدموغة أمام الادعاء.
* الرئة واللعاب تكثر إفرازات إيقاعاتها الحقوقية؛ لتمرر أكسجين متهم بجرم الخيانة وسابقة خطيرة للعيان.
* حس الضمير سيفرز هرمون الأمانة ويدلي باعتراف واضح أمام قاضي محكمة الشرف والفضيلة، كشاهد الفصل، لمنع الاستئناف، هذا كله حقيقي في محاضر الاستقبال، وفي الصداقة الحاضرة بروحها وحسها وعبير حبها، أما الأخرى فهي الصورة المزيفة من الأولى ملغومة، لأن هناك أقنعة افتراضية لا ترى ولا تلمس، بل تحاكي المجهول، وتسرب الفيروس والممنوع.

إن معايير الصداقة الحقة ترسم أول أبجدياتها عند الموقف أو المحك، إذا كنت على وفاق وانسجام مع النفس في حدث ما، أكون كذلك مع الآخر، مثلاً هل أراقب الآخرين وأقلدهم؟ حتى ولو كان هذا مخالفاً لما أملك من قدرات مادية أو اجتماعية.. وهل أعزز وأطور الغش والخداع لأنساق وراء وهم الرقي الطبقي، وزيف رمال متحركة من علاقات سخيفة لأصادق سراباً من اسم مجهول لثروة وجاه.. أو حسب ونسب لإنسان؟!

فالطبيعة البشرية تتعلم بدافع الثواب والعقاب، وحاجة الناس لبعضهم صفة لازمة في الطبع والتطبع للمكان..وشرط الانتماء والمحبة والتعاون والإخلاص؛ لتتولد الصداقات المتبادلة، التي هي أهم معادلة في قانون حق الصداقات، وأشنع أشباه الصداقة تلك القائمة على الأنانية والتسلط والهيمنة، وصفات التعجرف والغطرسة.. وهذه أبغض الصداقات.

أما الأخرى فهي تتأتى بالفراغ ولضياع الأوقات وللتسلية وحب معرفة أمور خلق الله، كل يراقب الآخر على طريقته، والغريب أن الكبير والصغير سارا وراء هذا التيار وأدمنا اللعب والشات على الواتساب ومع الفيسبوكيات.

في الصداقة الحقة نقبل الصديق المكمل للسمات، والند والشبيه لتلك الصفات، أنت تتحكم بمن يهضمه حسك وعقلك وتربيتك وانتماءاتك فهو أمامك، والتافهون كثر.. والأصدقاء الصدوقون قلة.

كن صديقي في الفقر قبل الغنى، وفي الترح قبل الفرح، لا سمح الله، وفي كل الأوقات، ولن ننسى ما أمرنا الله من طاعة الوالدين، وتفقد وتذكر صلة الأرحام، وتوطيد المحبة والاحترام بين الأشقاء، فهذه من أهم صدق العلاقات.

فضلاً عن أننا لا ننكر فوائد السباحة في هذا العالم الافتراضي عبر الشبكة العنكبوتية من توسيع المدارك لتعلم العلوم المختلفة، وتلقي المعلومات القيمة والحديثة وتلقف المنشورات العلمية والأدبية المعاصرة، لطالب المعرفة، ودارس المعلومة وبوقت قياسي، وهذا ما يتطلب منهجه العلمي والوظيفي، وليس تلقف المهاترات السخيفة، من غير سند أو مرجع، ومن غير التحقق في مصدر الخبر، والمبالغة في أسواق بيع الكلام، والدردشة السخيفة، ونشر الفضائح من البوستات، فقد امتزج الحابل بالنابل على خطوط وساحات الهواء، واختلط الغث بالسمين على لوحات الدعايات، في المهن والمهارات، فما أكثر النفاق! وما أغزر سيل الأكاذيب! على مواقع الأخبار! وما أوسع الذمم على منتديات الأحداث!

أين نحن اليوم من أسواق الأدب والفكر كأسواق عكاظ، أو صالونات مي زيادة وجبران؟! التي كانت ميداناً فسيحاً لتبادل الآراء، وعرض الأفكار، والتشاور في القضاء، والاجتهادات، والمحاورات، والمناظرات في الشعر وعقد أحلى الصداقات، وملتقى واسعاً لإلقاء أروع المقالات، والتفاخر والمباهاة بالفصاحة، وإلقاء أشهر القصائد والمعلقات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.