المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زين العالول Headshot

أزمة فكر

تم النشر: تم التحديث:

وطني افتح لي الأبوابَ لأشكو إليك همّي، وأهمس لك قلقي، فنحن بحاجة لمصارحة صادقة، وحوار متبادل، فقد زاد الوباء، ونقص الوعي والإدراك، قد نضع اليد على الجرح السيال، قبل فوات الأوان، ونحن بحالة من الاستكانة والقعوس، والسبات وقلة الاهتمام.

العالم يتطور ونحن نتقوقع، العالم يقفز ونحن نتعثر، العالم يتحد ونحن نتقسّم، العالم يخترع ونحن نفتي ونتخبط، هناك هزة، هناك أزمة، هناك فجوة، ظاهرة خطيرة مستشرية في المخ العربي.

لو أن أحداً يجيبني: ماذا حل بفكرنا وذوقنا العربي؟ وحسّنا القومي والوردي؟.. أين أجيالنا هذه من أجيال مرت على المشهد العربي اتسموا بالعلم والطموح، والرجولة والغيرة على الوطن، والتحرر من قيود التبعية؟

ما أسباب التخلف والتردي، والتيه والانحطاط، والضلال الفكري؟ ولماذا هذا التراجع الحضاري؟ هل هو لغياب فكر التنوير؟ وما هو التنوير؟ وما أسبابه ومسبباته؟

هل هو نقص وشح بالأطروحة العربية والنهج الذي يدرس في هذا الزمن المعاصر أم ماذا؟ أم هو انشغال نخبنا الثقافية إن كانت ثقافية بطروحات التطرف المذهبي وصراعات ضيقة على الهوية والمذهب، وانشغالها بفتاوى عقيمة، مع أن من سمات ديننا السماحة والاعتدال والبرهان؟!

أم هو اقتصار على نقد العولمة والتواصل الاجتماعي التي هي من مسببات ما وصلنا إليه من الانحطاط الفكري، مع أن المفروض أن تكون نتائجها إحداث تغيير للأفضل والأحسن والأرقى لسهولة تناول المعلومة وتداولها؟

أم أطماع مادية واجتماعية وفتن وصراعات وعصبيات، وأزمات واقتتالات عسكرية.. ولمصلحة مَن؟ العدو.. والعدو.

هل انتشار المنهجيات السلفية، والنخب المتزمتة، قد أثَّر على العقل العربي وعلى النسيج الاجتماعي للجسم العربي، وحدَّ من تنويره ونهضته، وتعدداته السياسية، والديمقراطية؟

أظنها كلها مجتمعة تدك في هذا الجسم العربي فيروسات من العجز والفوضى التي تعكر مزاجاته وتطوره، وتحد من تنويره، التنوير هو الخروج من الانغلاق الفكري والظلامي وتسليط نور العقل على الموروثات الفكرية التي تحد أو تعيق التفكير الحر الراقي الذي يضيء حقائق مهمة في هذا الوجود.

لو حللنا لماذا يعجز هذا الفكر عن الإضاءة لبناء لبنة تحافظ على هوية عربية إسلامية حضارية متميزة، مع أن هذا الفكر كان يوماً هو البوصلة لحضارات وأمم ولَّت.. هو كائن حي يفكر ويتنفس، ولكن حلَّ به بعض مِن إعاقة، وبحاجة لغرف عناية وأجهزة حماية، هو يشكل الإنسانية بكل أبعادها، ومن دونه يكون الإنسان رهيناً لبهيميته وشهوته، كأنه في غابة.

إذن بالفكر نصنع الإبداع، وهذا يسير التقدم الذي بدوره نصل إلى التغيير الإيجابي السليم، والحرية الفكرية لتكون النهضة الشاملة.

إذن ما دام هذا الفكر هو جهد بشري كرَّمنا الخالق به عن دون مخلوقاته، فواجبنا العناية به وتهذيبه لإزالة شوائبه ورواسبه، ولكن كيف؟ وما الحل؟ وماذا ينقصنا؟

ينقصنا التخطيط الإبداعي داخل غرفنا الفكرية، وغرفنا التعليمية، وداخل غرفنا البيتية، والمحيطية، ورسم الاقتراحات خارجها.

تنقصنا الأخلاق التي تشترط لنجاح أي عمل خلاق: الأمانة والإخلاص داخل المؤسسة والحقل والمصنع، والوعي والإيثار والتعلم، والتطوع خارجها.

تنقصنا إرادة التغيير والعزيمة على التطوير داخلنا، والرغبة في الرقي والإصرار على النجاح وحب التميز خارجنا.

ينقصنا التفاني والبذل والعطاء وإنكار الذات والأمل وحب العمل، وأخيراً وأهمها الرقي بالممارسات، وعشق الوقت المفيد، وتغيير الكثير من أنماط التفكير.

إذن ما هو الحل لتصحيح عجلة القيادة نحو التنمية الفكرية والتألق الحضاري؟

-الحل في نسف الجهل، وفي تفجير التخلف والغباء، وشحذ العقل، ومحاربة جمود العقل.

-الحل في مد العقل والإدراك بغذاء دسم من الثقافة والقراءات الهادفة، المفيدة وليست الساذجة.

-الحل أن نخرج من عباءة القصور، ونخلع رداء التخلف بكساء جديد لديه شمولية في التفكير الحر، والمنطق المعقول، ونقد العقل وبنائه من جديد.

-الحل هو أن نستوعب جميع مذاهب الرأي، واتجاهات الفكر، تتعاون في ما بينها بموضوعية وبالحوارات المتبادلة؛ لتصل أخيراً إلى ذلك الطريق الطويل العريض الذي لا يضيق بها جميعاً، وإنما تقارب لوجهات النظر يستوعب تنوعاتها ولمصلحة الوطن.

-الحل هو التمسك بأخلاق مميزة حميدة، يكون فيها قلب الأخ مع أخته وأخيه وأمه وأبيه، وجاره القريب والبعيد، وأبناء وطنه على اختلاف أعراقهم وأديانهم.

لدينا طاقات خلاقة، فكراً وعلماً واختراعاً وإبداعاً ومهارة، ولكنها كامنة، مسروقة، مجهضة، معتدى عليها، نريد استعادتها، واستعادة عقول شبابنا وشاباتنا طاقات المجتمع وفعالياته، ولكن كيف؟

ومن يقول إن "زوزو" و"توتو" لها وله تابعون وتابعات بالألوف، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، من شباب وشابات من أنحاء وطننا العربي؛ ليتابعوا أخباراً ساذجة وساقطة ليس إلا للشهرة والغباء والتباهي بالجمال الزائف والوضيع.. أهكذا صِرنا؟

ماذا تقولون؟ ومَن يصدق أن كلاماً سخيفاً أهوج وبلغة ركيكة، في فيديو انتشر على الميديا الإلكترونية بلسان فتاة مصرية تنتقد طَلاق ممثل مشهور، وممثلة عالمية، تحصد مليون مشاهدة؟ ليس هذا فحسب، بل تستضاف وعلى إحدى القنوات العربية وكأنها اخترعت اختراعاً يفيد البشرية، أو جلبت الذئب من ذيله؟! بينما مقالات وندوات في العلم أو الأدب تختزل، ولا تأخذ بضع مشاهدات.. وليس لها حصة تذكر لا في برامج القنوات المرئية، ولا في السمعية، ولا في البرامج السياحية الترويحية، أي مسخرة؟ وأي سخف؟

أغنية ما أو مغنٍّ ما يحقق من الشهرة والعالمية والمكاسب المادية والاجتماعية ما يعجز عن تحقيقه كاتب، أو شاعر، أو أديب، أو باحث علمي، نذر نفسه للحرف والكلمة.

وامصيبتاه، أصبحنا نعرف باسم مطربينا وباسم مغنينا مع أننا كنا ننسب لأعلامنا الفكرية والأدبية، ورموز ثوراتنا، وقائدينا، وأبطالنا القومية.

افتخروا يا عرب، كنا ننسب إلى العظام والأبطال، وأمسينا ننسب إلى الصبيان، وصانعي السناب شات، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "سيأتي على الناس زمان سنوات خداعات: يصدَّق فيها الكاذب، ويكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: يا رسول الله، وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه ينطق في أمر العامة".

على شوارع الحواس هناك مرايا منصات لكل لامع ومصقول، فالسيف ينتقي ما يريد، وكذلك القرش ولوازمه هما نقاط العبور، والتملق والظهور لإشارات الرصيف التي تتقن تحول الأخضر إلى أحمر ليوقف بل يدفن مسيرة التقدم، والعدل والنظام، والمساواة، ويزرع الظلم والتخلف والعقبات.

أما العلم والإبداع فهما راحلان إلى عوالم النسيان والافتقار، والتأخر والجوع... في المعدة، والفكر، والإحساس، كنا أمة عظيمة يحسب لها ألف حساب، وأصبحنا أمة راقصة، يكتسيها الفساد.

عظم الله أجركم.. إنا لله وإنا إليه راجعون، ولكن مَن خلف ما مات.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.