المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زين العالول Headshot

رحلة وقطار

تم النشر: تم التحديث:

استيقظت اليوم باكراً، ارتشفت قهوتي، وأسرعت لجهاز اللياقة والمشي لمواصلة رياضتي.. وهناك.. وعلى شط التريض، رقصت على أنغام توارد حركة خطواتي.. بسيمفونية أيقظت وحركت خواطري من غير خاطري بأوركسترا الحياة والبقاء، والوجود والعدم، والحضور والغياب، والصعود والنزول.

إنها مفاتيح الوجود والأقدار التي تمتلك نوتات العمر من غير قفلة أو مفتاح صول، سرحت بأفكاري، ودعوت روحي للاعتراف بأسرار؛ لنخوض الحكاية من قلب يوم الحدث عبر حلبة التريض والركض!
إن القدر يراقصنا في ملاعبنا ومحطاتنا، ويزاحمنا في حياتنا كشلال يلقى من علو في المصب، فنحن لا نملك إزاءه سترة نجاة، أو ممراً للهرب.

كم الدنيا تبدو غبية وسخيفة وأيضاً جميلة، الحياة ركبة ودوسة، وخطوات.. ومشوار وسير، ورحلات.. تحزم فيها الأمتعة وتحمل فيها الأوزان الخفيفة والثقيلة، في حقيبة كبيرة أو صغيرة لمسافات.

هناك تهرول وبأقصى سرعة تلملم أشياءك المتناثرة، لتلحق بقطار قادم أو مغادر، لمحطات.. لكي نحيا لا بد من صعود وهبوط، ولكي نصعد ولا نهبط، لا بد من سرعة محسوبة مدروسة كالنظريات.. ولكي نسرع بترتيب يجب أن نخطو ونتقدم للأمام، بجد وإقدام حتى ولو كان هناك نزلات وعثرات.

وهذه هي الحياة، وصل القطار، وابتعنا تذكرة الركوب.. أضواء.. وضجيج.. لقطار سريع.. دواليبه لا متناهية.. وقضبانه حديدية متوازنة.. وجسمه أفعى ماكرة.. من بعيد ترى عيونه.. وتشحذ خطوطه.

ومن بعيد تسمع صفارته القوية، وإنذاره بالاستعداد للصعود والركوب، تحمل الحقائب التي أتقن إعدادها وترتيب جيوبها ورزم أشيائها من أحبوك وغرزوا فيك جينات الوراثة، هي الولادة تضع حملك في القطار وتسرع، تبحث عن مكانك أو مقعدك.

لو تأخرت.. غبت عن رحلة الحياة، ولكن قدرك اللحاق بالرحلة، قد تكون شاقة أو سهلة، أحياناً أنت علته وماهيته، وأحيان أخرى ظروف محيطة بتلك المحطة كقائد الرحلة، قرر تعطيل المسيرة!

أو قد تكون محنة ما على رصيف المحطة، كأناس أكثر حذاقة منك وسبقوك بالصعود وزاحموك على مقعدك!
أو مهجرون هاربون من النار والبارود اختبأوا في مقصورة، لعلهم يعثرون على فرص أكثر حظاً من الغارقين في بحور لقوارب النجدة.. أو طامعون في أرضك.. ناهبون رزقك.. وصائدون قانصون لعزك وكرامتك.. المهم عندهم التمسك بموقع قدمك، وطردك باكراً من الرحلة.
القطار له طريق واحد إلى الأمام لا يعرف الدوران ولا يعرف التوقف، بل يمضي، وبسكة واحدة، ومسار واحد قدوم ومغادرات.
رحلة واحدة للمسارات والقاطرات، وباتجاهات كثيرة للأقدار والأحداث، من محطة لأخرى فبدايات، ومن ثم، وصولاً لمحطات النهايات.

المهم تقطع التذكرة للصعود، وهذه هي الولادة؛ لتحجز مقعد الجلوس، تتعرف على أبويك في القطار فقد حجزا قبلك وتعرفا على بعض في المحطة السابقة، وقررا الجلوس على مقعدين متلاصقين، ويسير القطار ويقف على محطة أخرى، ويصعد أفراد وجماعات وهم الأقرباء والأصدقاء.

ويسير القطار، وقد يقتحمه غرباء في الخفاء، بعض الركاب يأسرونك من أول ميل أثناء هدير القطار، والبعض لا تلاحظ وجوده في المكان!!
كانت بجانبي بوجه مستدير وعينين عسليتين، تضحك معي، وتلقني درسي، وتسهر ليلي، وتهتم لأمري ومن حولي، وترتب هندامي، رغم تعبها البادي على وجهها ورغم تجاعيد وجنتها فإنها دائماً مشرقة سعيدة، هي وهو بجانبها يشد أزرها ويدعم حنيتها ويخط سيرة بياناتي لتكون الرحلة آمنة.

ترى من منا يعرف إلى أين يسير قطار حياته وهو يسير مسرعاً.. سارقاً أحلى لحظات حياته، وعمره، وساعات أيامه؟
وأي وجهة سيتجه إليها لقطع مسافات مسارات قطار أيامه، يأكل الأرض بنهم، ودواليبه تحتضن سكك زمانه؟!
لا أحد، ولكن هم بجانبك يوجّهونك وينصحونك لتستأنف حياتك.. هل يمكن توجيه عجلة الحياة لوحدك؟؟ نعم ولا.

أتستطيع وضع هدف وغاية لرحلتك.. وكيف؟.. والقدر سائر.. والقطار مسرع كغول أو مارد، غير آبه لبطء حركتك في ليلك أو نهارك! يذر نعمه ونقمه وخيره وشره..

انظر إلى نافذتي لأتمتع بالرحلة ولا أضيعها هباءً، بكلام فارغ أو مناكفة سخيفة أو مراقبة خلسة لبقية عنابر القاطرة.. لا أحد يدري متى سيترجل ويصل لمحطة خط النهاية.. هنا يكون الندم بعد فوات الأوان.

- أمعن النظر حولي باحثة عن فكرة مفيدة أو هدف مهم لتعزيز بقائي نابضاً ناشطاً.. مستعداً.. مستمتعاً لتلك الرحلة.. هدف ممكن تحقيقه لتطول الرحلة وأتمتع برؤية أفضل لبقية النزهة، وراء النافذة.. أراقب الطريق.. وأداعب بعيني المناظر الخلابة.. التي تمر أمام مسرى عينيي على امتداد نظري.. فحين تتذوق الجمال بتجلي ديمقراطية الطبيعة بأثواب فطرية لأشجار ذات قيمة.. وعيش سوي هني، واستنشاق نقي لأزهار فصول أيام السنة.. تبعد عني وعنك السأم، وضيق النظر.. وتعصب البشر، وركود الفكر.

التبصر بواقع الجمال وبساطة وصدق الحياة ينعش روحي ويغذي خلايا عقلي ومهجتي ويعمق أمانة الضمير في جوفي.

- أفسح لبسمة الرضا والقناعة تداعب شفتي، وأثير نسيم الصداقة والود والمحبة يدغدغ غلاف رئتي وحجرات قلبي، هنا أستشعر نيات الأمانة والصدق.. وأبعد همسات أذى الشيطان.. فالحياة أقصر من إنفاقها على تنمية البغضاء، وتسجيل الأخطاء، ومراقبة الأحياء.. وتقليد الجيران والخلان.. واستعمال خاطئ ومبالغ للإلكترونيات يبدو سخيفاً في تلك اللحظات.

سأهمس سراً: لا أحد يجد مقاسه بالسنتمترات، لماذا الغرور والادعاء بالحكمة والتحكم بالرأي والقرار؟ بل عليك بالحجة والنقاش والحوار الهادئ من غير عاكس للتيار أو اقتتال..

اعترف، لتكون قوياً تعلم من درسك، تسلح بالثقافة والمعرفة، وعمر بيت عقلك بالمعلومات المفيدة لتكون قائداً للرحلة.. وحتى لا تحتاج لمنة.
لا تتكلم مع مسافريك باسم الدين أو الأيديولوجيات أو الأخلاق، أو الفتاوى الحزبية والقبلية.. فكم من الجرائم ارتكبت بحقهم. وصيغت المؤامرات بشعاراتهم؟!

فالقوة هي حقك بالجلوس على مقعد القطار بالعلم والنظام، والاجتهاد، اعمل واجباتك لتستحق حقوقك.. وليس بالقوة والتعصب والجهل والعنترة. والعنجهيات.. لماذا نحب السفر؟ ومع المجموعة، لأنه يعدنا بالحرية والانطلاق ورؤية المجهول، والجديد، والتعرف على الحداثة والثقافات، والتعلم من الغرباء بما يوافق عاداتنا وتراثنا، فالفرد كائن اجتماعي بالفطرة والسليقة.

أجول ببصري في أرجاء المكان.. وفجأة.. صدرت هزة من رأس القطار أو ذيله.
فجأة.. حصل أمر قاهر.. أمر مهول.. وقف القطار.. وترجل منه من أحببت، أحد الوالدين أو كلاهما في محطات قريبة.. قلبك انشطر من لوعة الفراق الأبدي.

هنا أنت في صحراء خاوية من غير أرواح، سكون مخيف، في الظلام، وصمت مطبق يتمدد لزجاً بين أزقة المقاعد والطرقات.. اهتزاز وصفير في دواليب الفكر وأسلاك العقل.. كيف ترجلوا من غير استئذان؟! كيف تركت وحيداً امام ظلمة الطريق ووحشة أخطار المتاهات؟ من غير سند أو مسند؟!

وتأخذك مسافات الأيام عبر الزمان والمكان، وليس النسيان ويصعد آخرون وآخرون، ويثير انتباهك مسافر آخر لمقعد ملاصق للأنفاس.
ويشاركك الحياة، ونسير ويصعد الأولاد والبنات وكم يحلو بهم المشوار.. والداك وراعياك ذهبا ولكن تركاك ببصمة! دمغاك بذاكرة قوية، طبعاك بذكريات مهمة لسلوك سوي وأخلاق حميدة، وتتأمل المكان وتلتفت إلى الوراء، ولكن تتذكر دائما الوصية.. إلى الأمام.. تشعر بالظمأ، أين هو كأس الماء، حمداً إنه نصف مملوء، لا بد من خطوات سريعة للأمام، فالرحلة ببدايتها ولا بد من الارتواء.. ويسير القطار، وتسير الأيام..
فرح وترح.. سعادة وشقاء.. نجاح وفشل.. بسراء وضراء.

لو ركلت من الخلف من أحد المسافرين فلا تأبه له بل تيقن أنك في المقدمة.. لو صفعك أحدهم من الأمام فاعلم أن هناك من الخلف أحداً يحبك، وهذا يكفي لكي تستأنف الرحلة.. وتقاوم بذكاء لترد الغصة، أما إذا رددت الصفعة والركلة بلا خطة ولا تفكير ممهنج وبقانون الغاب فهو الضعف والعنف، والحقد الذي لا تعرف عاقبته.

وخيانة من علمك الصبر، وحسن القول، وطيب الفعل.. انظر لقطرة المطر تنزل ناعمة على نافذة الأرض للخضرة وتزهير الحقل وزيادة لعسل النحل.. وثانية يقف القطار وينزل من أشعل موقد البرد، وأطفئ نار الصيف.. وساند الكتف والظهر وباني عمود الأمن..
هي الدنيا لئيمة.. ولكنه الحق.

لا تكاد تلم العبرات والزفرات، وتجف الدمعات، وتكتم الشهقات؛ لتستقبل البسمات، حتى تفاجأ ثانية بمن ترجل من القطر..
من صحب وصلة رحم.. هناك في الخلف! قد يجلس أناس للغدر والظلم والأذية، فطعنة لعدو تدمي الجسد، ولكن طعنة صديق تدمي القلب والحس، وتتلف الهوية والانتماء وجواز السفر..

يسود السلام في القطار، لو كل منا تقبل دوره ورضي بمساحته ومقعده، ولكن هناك شراً وطمعاً دائماً في كل موضع قدم وقاطرة وسكك..
وماذا بعد؟ يحين الوداع وتسليم تذكرة الجواز فقد وصلت لمحطة الوصول وحان الوداع، وانتهى السفر، وحط الجسد.. وتتحين الدموع للسيل والفراق، ونختفي من القطار، بصماتنا تبقى تزاحم جلد مقعد القطار.. وهي الصالح من الأعمال والصالح من الأولاد، ومن سيحتل المكان.. ومن خلفنا وراءنا لإعادة شراء تذكرة المغادرة والسفرات، لمستقبل جديد عبر المحطات، وسيكون انتظار آخر لمن جلس على مقاعدنا بعد أن أخليناها، بلا موعد أو قرار.

سيكونون صامدين، قادرين، على تجاوز الصعاب ووعرة الوديان؛ لأنهم تربوا على سرعة معينة مدروسة، فالذكريات لا تدفن حية على الطريق بل تصل لمحطة الأمن والأمان بإشرافهم للوصول للمحطة المطلوبة، وليس لمحطات أخرى وضعها غرباء، من زمان آخر ليس لنا بهم صلة بمحطة أو قطار.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.