المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زين العالول Headshot

أطفال البحر

تم النشر: تم التحديث:

لو كان للبحر لسان ماذا يقول، أيظن أني لعبة بيديهم.. أنا لا أفكر بالرجوع إليهم.. اليوم عاد كأن شيئًا لم يكن في بلاد العم شام..

أطفال الجزيرة.. كان هناك مجموعة من الرجال والصغار في رحلة جوية عندما هوت طائرتهم في البحر فانتشلتهم سفينة لم تستطع إلا إنقاذ من هو بين الخامسة والثانية عشرة ليواجهوا مصيرهم بأيديهم.. وليعيشوا تجربة مريرة من الأمل والتعب والخصام والقتال بينهم.. وجهود مريرة للبقاء بانتظار الكبار لإنقاذهم.. كان ذلك ملخصًا لرواية قرأناها في صغرنا للكاتب وليام جولدينغ كتبها في الخمسينيات..

ترى كيف يمكن أن تتحول البراءة إلى إجرام والوداعة إلى همجية وقتال؟!
هل جينات الإنسانية تكون أقوى بالفطرة من الثقافة المكتسبة؟! كيف استطاع هذا الكاتب أن يفوز بجوائز رغم استخدامه الأطفال ليمرر أفكاره.. مع أن روايته كانت مجرد حكاية وقصة من خياله.. رواية محبوكه بإتقان رغم الانتقاد.. ترى لو كان معنا كاتبنا هذا ماذا كان سيقول؟! عندما يرى الأطفال هم أبطال الرواية بالحقيقة والواقع.. أيظن أن ما يدور من ويلات ونكبات في عالمنا الفج القاسي على الكبار والصغار، هو حقيقة أم رواية لكاتب ساخر؟!

ترى ماذا سيصيغ من حقائق لأدب الروايات.. هل عداوة أطفال الجزيرة ورثت مع الأيام؟ أم انقلبت الحكاية.. جينات العداوة لأطفال الجزيرة انتقلت وكبرت بكبرهم فملائكة الرحمن انتقلت للرحمن بعد غدر.. هل يصدق حقيقة أننا في الألفيات والتكنولوجيا، وبأن المئات كدسوا كالسردين في سفن المرابين.. ومالكي بقايا سفن وقوارب لعباد القرش والدنانير.. ليعبروا بهم رحلة موت من حياة وحرب قذرة حتى الدماغ.. لو كان كاتبنا الفلسطيني غسان كنفاني حاضرًا أتظنه أعاد صياغة؟

روايته ورجاله تحت الشمس وبدل جزهم في الخزان وموتهم هناك قبل انتهاء الخمس دقائق لجزهم في قارب يعبر خليج في الغرب.. هل سيصحو أهل الخليج والشرق على محنتهم كما صحا الألمان والغرب..

وعلى الأقل يكونون قد غرقوا عند الفرنج بدل العرب،هروبًا من ظلم وليس العكس.. في مياه باردة بدل نار الشمس الكاوية، وليس بلد النشء.. أيهما أرحم يا ترى لو خيرت بمكان الدفن وأسلوب الموت؛ أموت بالكي من ذل في بلاد العرب والورع.. أم موت بالغرق في بلاد الانحلال والشرف؟!

المفارقة مميتة في الحالتين، إلا إن رجاله ماتوا كبارًا من أجل قضية سامية وليس أطفالًا من أجل هروب للقمة عيشة هنية!

قول للخليفة عمر بن عبد العزيز: زاد الخير ولا تعرفون أين تكدسون التموين! انثروا القمح على رؤوس الجبال، لكي لا يقال جاع طفل أو طير في بلاد الإسلام! حسنًا زاد عندنا الدم واللحم وعظام الأطفال.. فنثرناه في بحور الطغيان.. وعلى رؤوس الأشهاد..

أطفال في عمر الزهور.. لو بقوا في بلادهم لغرقوا في بحور الدم.. ولما هربوا غرقوا في بحور الخذلان والإذلال!

بلادهم الإسلامية لفظتهم لبحور المتوسط، بعد نفاد بذور الحب ونشر بذور الجوع والحرمان في بحور الكرامة والعيش!

قول للخليفة عندما كان العدل مسلكهم والتقوى رمزهم.. والطمأنينة حياتهم.. وبيت المال بنكهم! والتعاضد قوتهم.. قولوا للخليفة: أيظن أننا اليوم غيرنا دستورنا لأننا بنيناه على جماجم أطفالنا.. وبنينا بنوده من دماء صغارنا.. فقد أصبح الذبح والقتل هوايتنا وشرعنا.. وقطع الرأس والحرق تخصصنا.. والإجرام والهمجية غايتنا.. والطمع في الدينار والدولار هواؤنا وحياتنا.. والفرقة والانقسام والقبلية والعصبية ضعفنا..

قولوا له: أيظن أننا نموت غرقى في بحور الغرب هربًا من العرب.. وبأن الأطفال ماتت والنساء أجهضت والرجال عرت وبكت.. لماذا لأن العروش والجلوس أهم من النفوس.. قولوا له: أيظن أن المهاجرين والأنصار انتقلوا من مكة والحجاز والشام إلى ألمانيا والنمسا ونيوزيلندا!

قولوا له: إن الإنسانية مكملة للدين، والتاريخ شنق بالمقلوب.. وأن عباءة عمر بن عبد العزيز تقمصتها ميريكل ونساء شقروات بعيون زرقاء لا علاقة لهم بالعرق ولا اللغة ولا الدين!

قولوا له: في زمننا من ليس له بيت فليسكن على حساب بيت القرش والحوت والسمك! ومن كان عاملًا لغير الحاكم فليشتر له قبرًا بين الموج.. قعر البحر والقدر!

لو كان طارق قائد حملة هذه الأيام لصرخ بهم: أين المفر! البحر من أمامكم والعرب من خلفكم وإنكم أضيع من الأيتام في مآدب اللئام.. اهربوا للغرب فهو أحن من العرب عليكم، صارعوا البحر ما لكم والعرب..

قولوا له: أيظن أننا لعبة بين يدي حكام الشام ومصر والعراق وغيرهم من بلاد خربت بالهمس!

لو كان فرس صلاح الدين بيننا هل سيهرب للغرب معنا؟ ماذا يقول وقد رأى القدس والأقصى يئن من الاستيطان والأوجاع.. والأرض منهوبة والعرض مغتصب.. ماذا يقول وقد رأى معابد الشام وتراثها قد دكت بالجاهلين الراغبين في طمس كل حضارة للعرب!.

ماذا يقول وقد رأى جراح الأطفال والنساء ودماءهم وجثثهم قد سالت ودفنت على ضفاف بحور النسيان! وأطفال الشام وبيوت الياسمين قد حرقت وهجرت بعد أن كانت بلاد عز واكتفاء وقبلة العشاق والجيران.. ولو كان معنا خالد بن الوليد أظن قبره في حمص يرتج من الأحداث.. وأحبال الفجيعة قطعت من نزف الشريان..

ونحن ماذا نقول.. وماذا نقول لأنفسنا؟ ونحن نظن أننا مقهورون مذلولون من العجز.. الحزن والموت مرسومان على الأرض والوجه والبحر.. العالم العربي في نومة بالكهف يسلي نفسه بحبة مورفين مع الجنس.. بيروت كانت درة الشرق أضحت غارقة في قضايا القمامة والفقر والرئيس المنتخب.. وفلسطين باعها العرب قبل الفجر وشروق الشمس! حلت اللعبة بالغش.. والقدس أبكتنا حتى انتهى الدمع..

لكثرة طوابير الشهداء توقف عندهم العد لصدأ عقول وانقسام بين الأخ والأخ! همشت القضية مع أنها قلب كل وجدان حي.. وأساس كل بلد منحل.. والعراق كل يوم هناك قنابل وموت زؤام ومتفجرات بالسوق تباع مع البندورة والخس! والشام يا سارية العرب كل طفل منك اسمه يونس واسمه أيوب ويحتاج لسفينة نوح.. وأطفاله ما عادوا صاحين فالبحر سار بهم إلى رب العالمين.. وبعد كل ما قيل أتظن أن بلاد العرب أوطاني من الشام لبغداد.. أم تظن أن بلاد الغرب أوطاني من النرويج لبرلين.. أيها الأطفال أنتم والطفل علان وفي بلاد كل الأوطان لا تخبئوا في جيوبكم العصافير ولا البنانير ولا طيارات الأوراق.. بل تحزموا بحزام وأطواق النجاة للوصول للسماء.. فقد نفيناكم خارج حدائق البراءة والأطفال..

قولوا كقول نزار شاعر الشام: يا أيها الأطفال.. من المحيط للخليج أنتم الجيل الذي سيكسر الأغلال.. ويقتل الأفيون في رؤوسنا ويقتل الخيال.. حين يصير العدل في مدينة.. سفينة يركبها قرصان.. ويصبح الإنسان في سريره محاصرًا بالخوف والأحزان.. حين يصير الدمع في مدينة.. أكبر من مساحة الأجفان.. يسقط كل شيء.. الشمس والنجوم والجبال والوديان.. والليل والنهار والبحار والإنسان!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع