المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زين العالول Headshot

غذاء الروح

تم النشر: تم التحديث:

123

ما هي الموسيقى؟؟ الموسيقى، هي نور.. هي إشعاع ضوء.. يتغلغل في دهاليز النفس، فيضيئ ظلمتها ويعكس حوادث وجودها وهمومها.. وجدانها.. قضايا إنسانيتها..

أي موسيقى، ذات إحساس وجمال راق.. هي توأم الروح.. هي تعري الكلام ليطير في ذاكرة تيه القصص والأحلام والحكايات،ويتوه بين أسطر الذات.. ليغوص في الأفكار ويسبح في الخيال..

الموسيقى هي حروف وجمل تسكب على أجنحة النفوس.. هي تحرر حروف اللغة من الجسد لتتحد نوتات تحلق في الشواهق.. ويعلو الصوت ليكون الاتحاد مع نقاء الروح.

ألحان موسيقية..
صوت السماء.. صوت مرتل لأمجاد السماء..
صوت يتلو آيات في القرآن.. وآذانًا للفجر والعشاء..
وترانيم لكنائس مريم عليها السلام
وأي أحاديث روحية تطغى على الوجدان، هي أجمل وأطهر موسيقى لروحينيات خالق الصوت والإسماع...

تغريد العصافير تأسر العاطفة.. وتناجي الأغصان، إنها موسيقى الطبيعة اللتي تسكن على صدر الهواء..

حفيف الأشجار وهي تلاقي نسائم الصباح والمساء تنادي الإحساس، وتدغدغ الطبيعة وكيان الإنسان..

بكاء وبراءة وقهقهة الأطفال وأغانيهم، تغلف القلب كغلاف شفاف.. فتدمع العين تأثرًا بحب مجبول عاصٍ على النسيان..

سقووط حبات المطر على جوانب النوافذ والطريق، فوق العشب.. فوق أزهار اللوز والياسمين، ترقص أضلاع الأغصان رقصة التانغو، على أنغام نسائم الربيع على رصيف الطريق..

همسة المُحبّين تكهرب قلوب العاشقين.. فتزيد نار الشوق والوصل اتقادًا، واشتعالاً كجمرات تشعل بالكوانين..

صوت البحر، تارة يلاطف ويعانق حبات الرمل يضمها إلى صدره، لينشدوا معًا أنشودة المد والجذر..

وتارة يقسو عليها ويثور! ويركض بعيدًا عنها إلى الصخر، يقع تحت أقدامها ليشكو إليها غدر الزمن فتسايره وتلقي عليه درسًا..

في الأمل والأدب.. الند بالند، درس الأنا والأنت في الصبر، والجذر، والتواضع ورفع الرأس..

موسيقى الكلاسيك العالمية كروائع موزارت، بيتهوفن، ياني، شوبارت، يوهان وغيرهم، طبعًا موسيقانا الخالدة، العربية، من ملحنينا العمالقة أمثال عبد الوهاب وعمر خيرت، الرحابنة وغيرهم.. من الروائع التي تحاكي الحس الثقافي العالي والوجدانيات، فهي لغة جميلة توحد الشعوب وتتحدث بها كل الأمم.. فيها كل ألوان الطرب والرقص، عالم هارموني بلا حدود ولا مسافات..

كل أوتار الفرح والبهجة والعزة والكرامة.. كل آهات اللوعة، والحزن، والندم، والتأوه، والخيانة..

موسيقى الحزن تعبر بك لمسارح الذكرى، لمواطن الألم.. تصحبك غصبًا عنك لمكامن اللوعة، ومن يترجمها غير دمع الذكريات، والترحال وابتسامات الأمل والشوق، إنها موسيقى الرقي.. فهي من هز لها القلب ورقصت لها النجوى.. وسحبتها العاطفة إلى سماء النجوم..

الموسيقى الراقية، هي أنامل رقيقة تدق على باب الفؤاد بلا استئذان. يستقبلها أثير الأذن فيمازح رنتها.. ويقبل هالتها.. بعيدًا ليمنع أي ضوضاء أو إزعاج.. ليوطد الصداقة مع الألحان..

إن هذا الزمن بمشاكله وتعرجاته أفقد العقل توازنه وحكمه ومعتقداته، وملأ الكأس توترًا وفوضى وبلايا على ضفاف نهر الدموع والمآقي.. من المآسي والآهات. وزوابع الحياة.. مما جعل التحكم بالذوق واللجوء للموسيقى الهادئة الهادفة، الراقية، ضرورة قصوى.. لتسود أجواء من الراحة والطمأنينة..

تلك هي الموسيقى التي نتمناها لتصقل التّذوق وتغذي الفكر وتناهض التطور، وتنمي القيم والمفاهيم، والسلوكيات.. إذا أردت شيئًا من الترفيه وقررت الاستماع لمقطوعة موسيقيه أو لحن جميل تفزعك تلك الأصوات والأبواق الغريبة التي لا تتقن إلا الرقص والغمز وحركات بهلوانية ومشاهد تمثل فيها دمى مبهرجة، وقصص لا تحاكي أي معنى جمالي أو واقعي.. ما أحوجنا إلى الاستماع إلى موسيقى السلام.. أوتار العزة والنخبة. أناشيد الحرية الآتية من نداء الروح.. وصول المحبة..

أبعدونا عن رنات القروش والدنانير ورصاصات الموت وأصوات الألسنة التي تضج الحناجر وتصقل المدى والخناجر،على الرؤوس، بلا ضمائر. وتسوق الغباء في حدائق التعصب، والهرج والمرج في سوق فرق الفساد والرياء ومزامير النفوس الطامعين.. فقد ارتعشت الأمهات والكهول والأطفال على أسرة اليأس والقنوط من موسيقى حرب الفرقة وتقاسيم الطبول.. فنحن بحاجة للمحة ترفيهية تزيل تلك التجاعيد التي تركها الزمن على وجناتنا وأعصابنا، من جاهلية تعود.

أين هي تلك النغمات التي كنّا نترنم ونتناجى ونرقص عَلى إيقاعات عذوبتها كخرير الجداول راقصًا بين السهول.. منصتًا لسحر الغروب.. وهو يعانق الغيوم..

يا قيثارة ربيع الفجر الصبوح اعزفي لِنا لحنًا أوبيراليًّا يلبسنا السكينة وألحان الخلود.. اعزفي لنا لحن السلام.. من ربابة الراعي الوحيد الذي يبثها بين الوديان والحقول والسهول.. فقد يحرك القلوب المتحجرة لظلاميّي العقول.. في آخر فصل من سيمفونية أفئدة اعتراها الصدأ والخمول..

يا رياح السماء وأمطار الخير وراقصي الفالس الوديع.. هزي الجناح ابتهاجًا عبر الأثير.. املئي الأنغام حلاوة فقد تعبنا، ونريد الإنصات لموسيقى الصفاء، الفرح.. لتوزيع وتأليف موسيقى تنشلنا من صخب المادة.. وغبار الهموم.. نريد أن نغوص لتلك النشوة التي في ثنايا الذات لتمنحها التألق والسمو..

نريد السكوت.. نريد الصمت للإنصات.. للعبور إلى ما وراء الفكر.. إلى عالم سرمدي يصل بِنَا إلى رحيق الغبطة وأريج الهناء..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.