المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زهراء بسام Headshot

من بغداد إلى حلب

تم النشر: تم التحديث:

9 أبريل/نيسان 2003

صباح هذا اليوم، ونحن نصطف لتحية العلم في المدرسة، عينان منتفختان من البكاء، لا يبدو الأمر مألوفاً للأصدقاء، وسؤال متواتر حول السبب.. سقطت بغداد.. كانت الإجابة على هولها غير مقنعة لكثيرين، ماذا يهمّ فتاة لا زالت في صفها الإعدادي من سقوط بغداد، أو ربما كان توقع الأمر سبباً آخر لاستنكار الصدمة والألم.

هذا اليوم بكل تفاصيله، بتمثال صدام المنحني أمام المارينز الساخرين، المتاحف المفتوحة على مصراعيها للسارقين، التاريخ المهدور في الطرقات، صرخات الفرح الأهوج المختلطة بصياح المكلومين.. كل شيء في هذا اليوم كان حزيناً، يحضر في الذاكرة غائماً، لا يَبين عن نفسه خجلاً، ولا يذهب عنها عِناداً.

بغداد أولى الخيبات، الجُرح الذي انفرط العِقد بعده، أول الوعي المنقوص بأن تهديدات "الصحاف" للعلوج لا تُجدي أمام الخيانة، وأن الجموع الهادرة في استاد القاهرة لا تُغني هتافاتها عن منطق القوة والسياسة شيئاً، وأن الأمور تجري بمقادير ليس من بينها صدق حماستك أو نُبل غايتك!

3 يوليو/تموز 2013
الآن، تعرف الفرق بين الصدمة والارتباك، الحزن والحيرة.. وعيك الذي بدأ في بغداد اكتملت حلقته اليوم، أُسدل الستار على ثمانية عشر يوماً استثناءً في تاريخك.. وتعلم أنه لا مفر.

تعلم أيضاً أن لعنة القاهرة هى ذاتها سحرها، عمود الخيمة ووتدها، عينُ عليها وأخرى تدور في ليبيا وغزة وسوريا والعراق، مبتدأ الأمر فيها، ومنتهاه في كل بلدٍ عربىّ، تدرك ذلك حاملاً قلقك بين جنبيك لا تملك له سوى ما تملكه دائماً، تسجيل موقف!

تأخذ الأحداث منك بقدر ما تعطيك، وتلك الليلة أخذت منّا القدرة على الرجاء والحلم، تقاوم بنصف روح، وترى بنصف عين، وتتحايل على عقلك ببعض الأمنيات المكذوبة.. لربما تحدث معجزة!

ماذا فعلت عشر سنوات تامات بين سقوط بغداد وانقلاب القاهرة؟ الكثير، أهمها معرفتك بأن موقفك لا يعدو أن يكون تسجيلاً أخلاقياً، تُلزم به نفسك وتحترم به ذاتك، لا يتغير من واقع الأمر شيء في الحقيقة سوى قدرتك على رؤية وجهك في المرآة والنظر في عين عدوك: كنت أكثر منك شجاعة.. ومازلتَ أكثر مني جُبناً!

12 ديسمبر/كانون الأول 2016

سقطت حلب.. في الخبر ما يُغني عن القول، والتوقع لا ينفي الألم، وعلى كثرة ليالينا الحزينة أخذت الشهباء نصيبها الأكبر، كحصن أخير تهاوى أمام عينيك، تعرف أن ما بعده مسألة وقت!

كانت الشام وما زالت رسم الخيال، هيبة التاريخ وجلاله.. ربما من تلك الصورة نفسها كان الانتماء للثورة السورية خاصة، امتداد تاريخي يعيد لك أحلاماً طفولية عن دمشق الأموية، تتابع بشغف المسيرات الليلية الهاربة من قصف الصباح، تردد بلهجة غريبة عنك "بدنا حريّة" "يا الله ما لنا غيرك يا الله"، وهذا تحديداً ما كانت عليه الثورة السورية، سُلّم السماء إلى الآمال الإنسانية كلها.

من أين اكتسبت هذا الجمال؟ لا أعرف، لكنها بكل ما آلت إليه الأمور، بكل الدمار والقسوة، بكل الخوف والجزع ومرارة الهزائم التي نتجرعها، احتفظت بطيف جمالها، تلمحه بسهولة في كل صورة منقولة عنها، صور سوريا خاصة مُربكة، ترى مبلغ الشرّ الذي وصلت له الإنسانية، ومبلغ الخير فيها أيضاً.. تناقض عجيب ومرهق بالوقت ذاته!

تصبّ لعناتك على العالم وما فيه، يكاد يُجنّ عقلك من حجم إجرامه، ثم تعود لتقرأ رسائل المحاصرين، المتكدسين في أمتار قليلة بانتظار الموت، فلا تملك سوى تمنيات الرحمة، فما زال على الأرض مثلهم!

ومن بغداد إلى حلب.. أُحكمت حلقاتها، وعلمت الآن علم اليقين بأنه: "إذا ما أضعنا شامها وعراقها.. فتلك من البيتِ الحرام -أو من كل بيتٍ آمن للحظتنا هذه فقط- مداخله".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.