المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. زهرة خدرج Headshot

نوَّار وحكاية المرأة التي تتكرر

تم النشر: تم التحديث:

سأسرد عليكم هذه القصة، ليس لأنها جديدة في أحداثها، أو أن في تفاصيلها السردية شيئاً خاصاً، أبداً.. فقد تكون أحداثها معتادة حتى الملل، وتفاصيلها متكررة لدرجة أننا حفظناها غيباً، وبتنا نعرف نهايتها قبل أن نبدأ بقراءة الحكاية.. ورغم ذلك سأسردها على حضراتكم؛ لأن قصص النساء في مجتمعاتنا الشرقية مهما تشابهت أحداثها، فلكل واحدة خصوصيتها الفريدة، المليئة بالتفاصيل، المُثيرة في تعابيرها وكينونتها، السرية التي لا يعلم الكثيرون عما في قلبها من أسرار، ما يميزها عن قصص آلاف بل ملايين النساء الأخريات..

لن أسمي صاحبة حكايتي هذه المرة "أمل" كما يحلو لي دائماً أن أسمي النساء اللواتي أكتب عنهن، بل سأسميها "نوَّار" لما يحمله الزهر في ثناياه من جمال وأمل واعد.. وأكون بذلك لا أزال قريبة من المدار الذي أجدني أسبح فيه دائماً..


نوَّار، أتذكرها جيداً، كيف لا؟! وقد شاركتني المقعد الدراسي لسنوات حتى أنهيت الصف التاسع، جميلة كانت مثل دمية، بل بدر توسط كبد السماء فأضاء ظلمة الليل، حملت عيناها لون ثمار الزيتون رغم سمرتهما الرقيقة، بقيت صورتها الجميلة مطبوعة في ذهني، حتى بدأ العام الدراسي التالي ولم تحضر نوَّار للمدرسة ولم تشاركني المقعد، حسدتها بقية بنات الصف عندما علمن أنها خُطبت لشاب غاية في الوسامة.. وحكين قصصاً تشبه قصص "ألف ليلة وليلة" عن فستانها وحليها وحفل خطبتها، ومراقصة أميرها لها.. وبقيت مدار حديث الفتيات لفترة طويلة.. ومع الوقت، تلاشت صورة نوَّار من خيالي ولم تعد تحتل مكاناً في ذاكرتي..

أوقفتني امرأة متعبة يائسة يغلب الانكسار على ملامحها رغم بقايا الجمال البائد الذي ما زال يزين وجهها.. وسألتني: أتذكرينني؟ نظرت في وجهها.. خانتني ذاكرتي.. اعتصرتها دون جدوى.. لم أشأ أن أعلن الاستسلام فقلت مراوغة: قابلتك سابقاً.. أنت!..
فقالت: نوَّار.. جلسنا على مقعد واحد طوال سنوات تسع.. أقرأ كتاباتك الآن في المواقع الإلكترونية وعلى فيسبوك..
- آه يا نوار، كيف لي أن أنساك؟! غرقت في تفكيري قائلة: ماذا حلَّ بك؟ لماذا أنت منكسرة هكذا يا صديقة الطفولة؟ ألست سعيدة مع أميرك الوسيم؟

وكأنها سمعت ما أقول في نفسي أو ربما قرأته في تعابير وجهي فقالت: سنوات عشرون عشتها في بيت زوجي لم يشاركني فيها إلا ما يقارب عاماً ونصف العام.. أفسد المحتل حياتنا، فزوجي لا يكاد يخرج من الأسر.. يحل علينا كضيف عابر لشهر أو اثنين حتى يعاد اعتقاله.. أنجبت خلال ذلك ثلاثة من الأبناء الذين لا يعرفون شكل والدهم، أما أهل زوجي فقد صبغوا ما بقي لي بلون الليل الحالك.. فأنا أقيم في بيت العائلة، وما أحوج هذا البيت لخادمة غاب عنها زوجها دون أن يترك لها ما يسد حاجتها ويغنيها سؤال الناس، وما أشبه ذلك بي وبظروفي.. أصحو مع الفجر لأقوم بأعمال البيت وألبي احتياجات الجميع وأقوم بمسؤوليتهم، وأغوص في فراشي مع اقتراب منتصف الليل خائرة القوى، يغلب علي الإحساس بأنه لن يبزغ عليَّ فجر يوم جديد.. ولكني أستجمع نفسي وأسليها بأحلام أرى فيها أبنائي سعداء ناجحين في حياتهم.. وأترحم على طموحاتي الطفولية، لأعيد الكرة ذاتها في اليوم التالي.

لا وقت لدي لأعمل أي شيء أحبه.. خلقت فقط لتلبية الطلبات والقيام بالمسؤوليات التي تنوء بها عصبة من النساء.. أما الحب والدعم فجفت منابعه منذ وقت بعيد.

عندما أتصفح الإنترنت، وأقرأ كتاباتك.. أبكي في أغلب الأحيان، كم تمنيت أن أكمل تعليمي مثلك، حلمت أن أصبح طبيبة أطفال.. ولكن والدي وجد جمالي الفائق يليق بمربية أطفال وخادمة في بيت العائلة ولا يليق بطبية أطفال.. فزوجني لزوجي المسكين، الذي تركني أواجه قسوة الحياة وظلم ذوي القربى وحيدة دون أمل بمستقبل أفضل.. فأبكي نفسي، وأبكي زوجي، وأبكي حظي العاثر.

انصرفت وقد أثرت في قلبي وتركت خلفها ألماً عميقاً، ومقولة ترددت في نفسي: "وأحلامي عصافير تفتش عن البيدر".. وأسئلة حيرى طرقت ذهني وتوالت عليه مطالبة بإجابات: هل المرأة بحاجة لشهادات وجامعات لتنهض بنفسها وتحصل على تقدير المجتمع؟ وهل المرأة التي لم تكتب لها الأقدار أن تكمل تعليمها، تكون قد حكمت عليها بالضياع، والضعف، والبقاء في الظل؟ أيكون الحل أمام مثل هذه المرأة وغيرها ممن حبستها سطوة التقاليد في قمقم مظلم وأغلقت بابه بإحكام، هو الثورة والتمرد، الأمر الذي يترتب عليه فقدان الحياة المستقرة مما بلغت درجة تعاستها؟ أم يكون في توظيف العقل والحنكة الأنثوية بهدوء وود، والاستفادة من المعطيات التي تحيط بها وتوظيفها لخدمة مصالحها وأهدافها دون أن تدخل في معركة شرسة تضطر فيها لمواجهة الجميع وجهاً لوجه وتكون نتيجتها الحتمية هزيمتها؟ أليس البحث داخل نفسها، وتحديد مكامن الإبداع فيها والعمل عليه ورعايته وتنميته وتطويره حتى يصبح واقعاً يراه الناس بأعينهم ويعجبون به وبصاحبته، هو المخرج الذي سيحطم القمم بهدوء وينطلق إلى النور مسلطاً الضوء على امرأة كانت القيود تحيطها من كل النواحي وتعتقد أنه لا مهرب مما هي فيه؟

عندما أتعامل مع قصص جديدة لنساء مقهورات في مجتمع يقال عنه إنه ذكوري بامتياز، يسود عليَّ الاعتقاد أن المرأة نفسها قد شاركت في تهميش نفسها، بسلبيتها واستسلامها وقبولها البقاء في الظل والتخلي عن أحلامها وطموحاتها، وتناست أن هناك مهمة عظيمة تنتظرها.. مهمة بناء المجتمع على القيم العليا والمعاني السامية وحقن دماء الكرامة والعزة في عروقه..