المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زهراء عبد الله Headshot

حاكمتني مدرستي وأنا في العاشرة!

تم النشر: تم التحديث:

تتلفُ الذاكرة، نعم، إلا عما انحفرَ بها بإزميلٍ من ظلمٍ وجاكوشٍ من عنف..
تجُرني نفسي الصغيرة إلى عمرِ العاشرة.. وأتركُ ذاكرتي تركضُ وتصهلُ كحصانٍ مجروحٍ بفناء مدرستي..

ماذا يحملُ الطفلُ من مدرسته إلى بيته، غيرَ محفظة كتبه؟؟ وعلبة التلوين؟؟
ماذا يحملُ الطفلُ من مدرسته إلى مستقبله؟؟
أنا كنتُ أحمل عبئًا أرميه عن ظهري بمجردِ الخروجِ من آخر بوابات الملعب باتجاه الطريق..

لم تستطع مدرستي الدينية تغييرَ طريقي أبدًا.. ولا تكسير ألواني..
ولم أكن أقوى على رفعِ صوتِ أفكاري التي لم يتجاوز عمرها العاشرة..
أولُ صخرةٍ وقعت على رأسي عندما ذهبنا أنا وفتيات صفي والصفوف الأخرى برحلة، كانت مخصصة لنا فقط دوناً عن الصبيان...

ألبسونا أثواباً بيضاء للصلاة..و انطلقنا إلى مجمعٍ كبير يُقيمُ إحتفالاً لتكليفِ الفتيات اللواتي بلغن سن البلوغ ، اي التاسعة...

كبف يُعقل؟؟ أن يكون سن البلوغ هو التاسعة؟؟

أنا طفلة لا أحبُ أن أخبئ شعري، شعري جميل، هكذا قلتُ لمعلمتي التي تُشرف على تنظيمنا لاستلام التكريم.

رمقتني بنظرة مميتة.. أبكتني
وشعرت أنني أريد أن أعود إلى البيت وأن ألعب بألعابي.. وأتشاجر مع أخي..

أين أنا؟؟
مضت سنة وأنا ألبس غطاءً يشبه غطاء جدتي..
محكوم عليّ بالاختناق..

- أنا لم أُخلق لأموت خنقًا.. قلت لأبي ذات يوم..

- قال لي اخلعيه إن شئت..
اقتحمت الابتسامة كل خصلة من شعري..

- ولكن يا أبي مدرستي لن ترض باستقبالي..
- بلى، إن ارتديته أثناء الدوام المدرسي فقط..

تطايرَ شعري.. كمن يطلقُ سراحَ عصفور في أعلى سماء.. ودخل الهواء إلى صدري لأول مرة منذ سنة..

كرهتُ الناظرة حين سألتني: انتِ لا ترتدين الحجاب خارج المدرسة؟
رددت بثقة: أبي سمح لي!

وتوالت الأيام إلى أن طلبَت مني صديقتي أن أكتبَ لها رسالة حب إلى حبيبها، و تجرأَت أن تبوح لي أنه في الصف الآخر يكبرنا بسنة واحدة..
صفَّقَ قلبي فرحًا لها.. إنها تُحب..

- ولكني لم أحبب أبدًا ماذا يمكنني أن أكتب لك؟؟ صفِ لي شعورك.

وبقليل من مهارة قلمي البريء.. اكتملت الرسالة الغرامية التي أكتبها لأول مرة بحياتي..

إلا إنها وقعت بيد معلمتي..
وبدأ التحقيق.. واجتمع الأساتذة كلهم فوق رأسي..

لمن كتبتها؟ من هو؟ ومنذ متى ترتكبين هذه الجريمة؟؟

قلت لهم: إنها ليست لي.. لم أكن أريد أن أشي بصديقتي.. لكنني فضلت أن أُنقذ نفسي من تهمة العاشقة..

يا إلهى ما أروع هذه التهمة!

كيف يحيا هؤلاء؟ لا أدري..
و صل الخبر لأهلي، اجتمع بهم المدير شخصيًّا.. وقال: يجب أن تنتبهوا لابنتكم جيدًا، إنها على حافة الانهيار..

- عم إنه الانهيار الذي يوصل إلى الحياة-

ومضت السنة وكلما التقيت بأستاذ حملق بعيوني وكأني سمعتُ نظراته تقول: يا لك من وقحة..

اليوم وأنا بعمر السادسة والعشرين.. أقلق على طفل يُحاكم بسراديب الجهل والتدين، تحت مُسمى التربية الدينية..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.