المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زهراء عبد الله Headshot

البرد..كالرصاص قاتل

تم النشر: تم التحديث:

البرد كالرصاص قاتل
زهراء عبدالله

سقف بيت حديد.. ركن بيتي حجر
إسبحي يا غيوم.. واهطلي بالمطر
لست أخشى الخطر..

بلى، أنا طفلٌ أخشى الخطر.. وسقفُ خيمتي يخشى المطر
جلستُ بقربه مطأطأ الرأس، يمسكُ حجراً يحُزُّ به التراب
سألته: كم مضى من الوقت وأنت هنا؟

-إنه الشتاءُ الرابع لي هنا، ألا ليتَ الشتاء لا يعود هذه السنة
أشعرُ به يزحفُ متباطأً نحو خيمتي.. أجلسُ أمامها أترقبُ هبوبَ أولَ ريح، لأدخلَ وأُغلقَ قطعةَ القماشِ خلفي..
وأتدفأ بأنفاسِ إخوتي..
البرد.. كالرصاص قاتل..
يقول جملته الأخيرة وهو يدُق نظراته كمسمارٍ على وجهي..
ويضيف:
يَنخُرُ العظمَ، ثم يتمددُ ويصلُ الى الأطرافِ، فتَتَجمد..
حينها ينقضّ على الدمِ ليقطعُه عن القلب.. ومهما حاولتي أن تُعيدي الدماء إلى مَجاريها ، تفشلين أنتِ.. ويستفرسُ هو أكثر..
يخرجُ صوتي ممزقاً كأنه من حنجرة إنسان آخر: كيف تتدفأ إذا؟
- لكي أتدفأ فأنا بحاجةٍ الى إشعالِ خيالي لأبقى على قيد الحياة...
أجمع قليلاً من الحطب الباقي بموقدة ذاكرتي، وبنفخةٍ واحدة تولد النار ...
ويبدأ الدفءُ بجرّ جيوشِه نحوي..
و للحظةٍ أقرر أن أخلَع الغطاء الذي يُكفنُني.
-إذاً تنجح بأن تُدخلَ الدفءَ إليك، لو قليلاً !
يستديرُ نحوي بملامح كهلة تُغلِفُ وجهَهُ الطفولي، ويتابع:
- ما يشُلّني بتلكَ الحالة ويدفُنني بالجليد أكثر ليسَ البرد فقط.
بل إنني لا أستطيع أن أُعلِم من حولي كيف يتدفؤون بالخيال..
ولا كيفَ يرسمون على جلدهم ألسنةُ لهب..
أحاول أن آخذه إلى مكان جميل، أساله: هل تحب الرسم؟
- كنتُ قد رسمت كل الفصول...
إلا أنني لن أكون رساماً كما توقع لي أستاذ الرسم !
-لماذا؟
-" لن أرسم حلمي لتُشلّعَه الرياح"..
هل يُعقل أن أكونَ بحضرة كاتب عظيم أولَدَهُ رحمُ البرد بعد أن أجهضَته الحياة ؟
يقاطعُ أفكاري ويضيف:
لم تحترقْ أصابعي حين لونتُ الشمسَ.. احترقَتْ هنا خلفَ خيمتي .. وأنا أنتظرُ أن أملأ دلواً بالماء لساعات..
ولم يَذَوب الثلجُ على كفِ يدي حين اتكأتْ دوائِرُه على صفحاتي البيضاء..
بل تجمد كفي هنا بخيمتي.. تحت هذا الغطاء الذي يخنق جسدي ولا يُدفئه..
والربيعُ ما تجرأت على رسم ثوراته التي داست على كل ورود جدتي..
رسمت ما أحببتُ ككلِ طفل بالعالم.. بيتاً وشجرة..
لم أرسم خيمةً يوما !
ابتعدت عن المخيم، أجر معي ضميري الذي أبى أن يعود معي..
ولم أكن أعلم أن للرصاص ندٌّ قاتل، اسمه البرد...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.