المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف عيد Headshot

رحلة البحث عن النصف الآخَر "1"

تم النشر: تم التحديث:

كثيرةٌ هي الرحلات في هذا الزمن، وكثيرةٌ هي الأسباب التي تدفعنا لذلك، لكلٍّ منها هدف وطريقة ومسار، نعم، سئمنا القوالب الجاهزة والموروث الخالي من قيمة حقيقية تعطي للحياة معنى يتجسَّدُ فيه جمالُ العيشِ والرغبةُ في العطاء، وزادت حاجتنا لهذا البحث بعد أن تغيّرت المفاهيم، واتسعت مساحةُ فهمها وعياً وإدراكاً أنَّ الجمود في التعاطي معها أضحى سبباً رئيسياً في تفاقم التحديات والأزمات التي تعصف بنا،

فكانت رحلةُ البحث لِزاماً ومطلباً لدى الكثيرين، ومنهُ كانتْ رحلة البحث عن الله، ورحلة البحث عن الذات، ورحلة البحث عن السعادة، وغيرها من الرحلات، أما رحلتي فكانت بحثاً عن نصفي الآخَر، رحلة شاب بلغ من العشرينات منتصفَها أو يزيد، لا تخلو من صعوبات ومشاقّ، يرافقُني عند كلِّ محطة فيها أعباءٌ ومسؤوليات، وأملٌ ورغبة في الوصول إلى المحطة الأخيرة؛ حيثُ الراحةُ والاستقرار، حيثُ أجِدُ الإجابة.

نقطة الانطلاق في رحلتي بدأت من الحاجة والرغبة، كون الإنسان مخلوقاً ضعيفاً يحتاجُ إلى من يشاركه طموحاته ورغباته، همومه وأحزانه، عمّن يُكمِل الحَلَقة لتكون قوية متينة، أي عن النصف الآخَر أو المفقود، فالنصفُ منَ الأشياء شطْرُها، وهو كذلك الإنصاف، فعنْ أي شطْر أبحث؟ وأي إنصاف أبتغي؟ إنّه "النصف الحلو" الزوجة، ليس حديثاً يُفترى، ولا أمنيةً فحسب؛ بلْ طلبٌ جادّ أراهٌ ركيزةً أساسية يعطي لحياتي معنى وقيمة،

لا كما تشاءُ لها العادات والتقاليد، ولكنها ليست كذلك تمرداً وخروجاً على المجتمع ومفاهيمه الدينية في المقام الأول؛ بل هي رحلةٌ تصل الماضي بالحاضر حذواً نحو مستقبل مزهرٍ وحضاري يسهم في بناء مجتمعٍ سليم قادر على التغلب على أمراضه وعِلله والتخلص منها.

وكان لي في رحلتي -التي لم تكتمل بعد- أنْ أقف على محطاتٍ أتزودُ منها بما يعينني على المسير حتى الوصول إلى مبتغاي.

المحطة الأولى: البحث قائم على قاعدة متينة

إنَّ عماد أي مجتمع سليم هو زواج سليم، وقبل ذلك اختيار سليم، فالأسرة هي ذلك العنصر الذي يكوِّن المجتمع، ولبِنتُها الأساسية شابٌ وفتاة تناسبا وتلاءما، ولكنْ لا بُدَّ لهذين التناسب والملاءمة أن يُبنيا انطلاقاً من قاعدة سليمة أُسِّس لها في القرآن والسنة النبوية؛

إذ قال الله عز وجلّ: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تُنكَح المرأةُ لأربع؛ لمالِها، ولحسَبِها، ولجمالِها، ولدينِها، فاظفر بذات الدين تربتْ يداك)، وقال: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ استطاع منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه لَهُ وِجَاءٌ).

إنَّ المتدبر المتفكر في القرآن وفي السنة والسيرة النبويتين يرى أنَّ البحث عن شريكة الحياة هو حاجة ٌ منشؤها النفس والروح والوجدان، فمن هذه النفس خُلقتْ تلك الشريكة، ولها ستعود؛ لتكون المسكن والملجأ، شِركةٌ قوامُها مودةٌ ورحمة، قوامٌ يضمنُ لها استمرارها ونجاحها، ولهذا بُنيتْ على صفاتٍ ومعايير، كان خيرُها وأفضلها فتاة الدين والإيمان، وقد حثَّت هذه المنظومة الدينية على السعي نحو هذه الرحلة، ولكنْ بالأخذ بالأسباب، فالزواج ليس مجرد عقد أو قضاء شهوة في حِلّها، وإنما هو مسؤولية وتكليف ومحطُّ قوامة الرجال على النساء.

نعم، لا يمكنُ الاستغناء عن هذه القاعدة الشرعية المتينة واستبدالها بأخرى أيّاً كانت، فلا مكانَ لأي قواعدَ وضعية في ظل شريعة ربانية، ولكنّ الفهمَ الصحيح وبُعدَ النظر وعُمقَه هي أمورٌ وَجَب علينا إعادة النظر فيها.

المحطة الثانية: لا قمّة دون تسلّق.. والجزاءُ من جنس العمل

شدَّني كثيراً عنوانُ إحدى المدونات القمّة دون تسلّق للمدوّنة آلاء حمدان تقولُ فيها: "لمن يريد زواجاً رائعاً: هل مستعدّ أنت أن تتحمّل زوجتك في كامل حالاتها العاطفيّة؟ تقلّباتها المزاجيّة؟ هل مستعدّة أنتِ أن تتحمّلي عصبيّته أحياناً؟ نقصاً في أمواله؟ سمنة في جسده؟

هل مستعدّ كل طرف أن يحسن الاستماع للطّرف الآخر؟ أن يحرّر عقله من حبّ السّيطرة؟ أن يعترف بخطئه أحياناً؟ أن يعتذر؟"، وبالمِثْل نستطيعُ إسقاط هذه التساؤلات والاهتداء بها في رحلة البحثِ عن النصف الآخر، فتصويرُ شريكة الحياة بالقمّة يدفعك لبذْلِ كلِّ نفيس في سبيل اعتلائها؛ لكي تحظى بذلك الشرف الرفيع، نعم، عليكَ أنْ تتصوَّرها كذلك.

كثيرٌ من الشباب في بحثه يريدُ كلَّ صفاتِ الجمال والذكاء والكمال، يبدأ بوضع الشروط والمقاييس، ويحدُّ نفسَه بإطار ضيِّق يزيدُ من متاعب رحلته؛ ليُصابَ بخيبةِ الأملِ سريعاً، مُتناسياً أنَّه لتجدَ ما تريد لا بُدَّ أنْ تكون أهلاً له، فالشراكة تلك علاقة تبادلية كما تُريد لا بُدَّ أنْ تمنح، فعليك أن تعرفَ جيداً ماذا تستطيعُ أنْ تمنحَ لتحصلَ على ما تريد، فبحثُكَ يجبُ أن يتلاءم مع قدراتك، ثمَّ لا تُخضِعْ ما تريد لقوالب جاهزة ومعايير مضبوطة؛

لأننا ناقصون بطبيعتنا، وهذا النقصُ هو منشأُ احتياجنا للطرف الآخر، فالزواج مؤسسة عظيمة تحتاجُ حكمةً وفهماً وصبراً ورؤيةً عميقة، تحتاجُ جَلَداً على الشدائد، فلا تبحث في شريكتك عن هذه كلِّها، وأنتَ لم تحقق منها إلا القليل؛ بلْ عليك أنْ تحرص كذلك على بناء نفسك بناءً صحيحاً، وتُخضِعَ نفسك لكل معيارٍ تبتغيه في نصفك الآخر، فالجزاءُ من جنس العمل.

كانَ هذا الجزءَ الأول من رحلتي، وقفنا فيه عند محطتين هامتين، كانتا وقودَ انطلاقٍ نحو محطاتٍ أخرى قادمة، نعم، فالرحلةُ في بدايتها والمسيرُ لا يزالُ طويلاً، ولكنَّها تستحقُّ العناء، فهي أشبهُ بالبحث عن معنى للحياة، تراهُ مرسوماً بإتقان على هيئة بشرٍ ستجمعك به الأقدارُ يوماً، يعوضك عن كل نقص وفقدان، ترى فيه جنَّتك في الدنيا، ورفيق دربك حتى النهاية، بل وربما إلى لقاء آخر في حياةٍ أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.