المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف الحناوي Headshot

متى سأكبر

تم النشر: تم التحديث:

يا الله، يا ربي، متى سأكبر؟ هل يأتي اليوم الذي أنام فيه وعندما يأتي الصباح أجد نفسي كبرت؟ هذا لسان حالنا جميعاً عندما كنا صغاراً.

كانت أحلامنا بسيطة، كنا نريد أن نكبر؛ لكي نبتعد عن بعض الأشياء الطفولية، مثل الواجب المدرسي، ونخرج في أي وقت من البيت، ونعود متي يحلو لنا، يا لها من أحلام طفولية!

لكن مرت الدقائق والساعات والأيام والشهور وغيرها سريعاً جداً، من منا لم يمسك القلم والورقة وبدأ يسرح في خياله وأمنياته ورسم مستقبله؟ فمنا من كان يريد أن يصبح شرطياً، ومن يريد أن يصبح طبيباً.

ويا له من مستقبل لقد كنا أبرياء! فعدم خبرتنا في الحياة جعلنا لا نستوعب ما حجم الشر الذي ينتظرنا في المستقبل ومرحلة الشباب، فشبابي أكاد لا أذكر منه كثيراً، فقط أذكر 4 سنوات مرت علي في شواطئ عروس البحر، أتذكر تلك السنين بكل تفاصيلها، أذكر كيف التحقت بالجامعة، أتذكر ابتسامة أصدقائي وقت الصباح، أتذكر عدد المرات التي لم أذهب فيها إلى المحاضرات، وصوت الشجار بين الشباب، ولا أنسى صوت عم بندق بائع الساندويتشات، وهو يسألني هل تريد "بطاطس" مع ساندويتش الكبدة، فأبتسم له، وأقول: "مش هرد عليك" لقد كنا أصدقاء.

أتذكر عودتي من العمل في الصباح الباكر لكل يوم جديد، وسكان عروس البحر جميعهم في النوم غارقون، أذهب إلى منزلي المستأجر وأغير ملابسي سريعاً، لكي أذهب إلى الجامعة لمشاهدة ابتسامة أصدقائي الصباحية.

أذكر عندما تأتينا رحمة من السماء على شكل أمطار كنت أسرع في الركض نحو كورنيش عروس البحر؛ لكي أسير تحت الأمطار.

أتذكر كل شيء في تلك السنوات القليلة من هذا العمر في ذلك الوقت من هذه المدينة المسماة بعروس البحر، لو كنت رساماً لرسمت كل تلك المشاهد، كنت في عالم اللامبالاة، كنت أفرح بذكرى تحرير سيناء، وذكرى ثورة 52، والضباط الأحرار، فهذا كل ما كنت أعرفه عن التاريخ.

فجأة تحدث أشياء غريبة لا تعرف متى وكيف أتت.. عندما كنت صغيراً لم أكن أتخيل يوماً أن هذه ستكون حياتنا، من يقول الكذب ويخفي الحقيقة يكون مواطناً شريفاً، ومن يقول الحق يصبح إرهابياً.

لم أتخيل، لم أصدق ما يحدث حولي، قررت أتفقد أحوال عروس البحر، وأبحث عن الأمل في أعينهم، لكن لم أجده، ورأيت شيئاً أسود داكناً يسيطر على عقولهم، وسمعت صوته وهو يقول: ما تسمعوش كلام حد غيري..

الناس تسير في الشوارع بلا هدف، أنظر في أعينهم لا أجد شيئاً غير مرارات الزمن, فأسئلة ماذا بك يا رجل؟ ماذا حدث أراك مهموما؟، لكن لا يجيب، فعينه وحدها تقول كل شيء.. لم يكن عندي الشجاعة الكافية لكي أسأل القليل من الشباب، فالتجاعيد الظاهرة في وجه كل منهم، والشيب في الرأس أرعبني.

لكن مرت السنون ووقفت على حافة الحياة السياسية، أدركت ما حدث، وما حل بهذا الشعب المعروف بخفة دمه، وعرفت ما فعل الإعلام والمرتزقة بأحلام الشباب، أدركت ما وصلنا له بعد مقولة سيدة أوباما، فرجعت وراء للتاريخ، وجدت كل ما تعلمناه كان خطأ، لم أكن أعرف أن 52 كان انقلاباً، كان الشعب وقتها نائماً، ومن قام به كان الجيش.

لم أكن أعلم أننا لم نحرر سيناء الحبيبة كاملة حتى الآن، لم أكن أعلم أن من ترك سيناء في المرة الأولى هم جنود النكسة المدبرة من الرئيس..

أشياء كثيرة لم أكن أعرفها، ولكن لا أريد أن أذكرها الآن.. فعندما أدركت كل هذه الأشياء رفعت يدي للسماء وقلت يا رب، أعتذر أني طلبت أن أكبر، لا أريد أن أعيش في حياة الشباب، والآن لسان حالنا جميعاً: يا رب متى نعود صغاراً؟