المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف العمر Headshot

جيد أن تغلق الباب على الاستعمار.. ولكن هل أغلقت النافذة؟! "1"

تم النشر: تم التحديث:

عملاء الاستعمار مَن هم؟ أهم الذين يخدمون عدوهم حتى وإن كانوا يحاربونه، أم الذين لا يخدمونه وإن كانوا يهادنونه؟ لو سألنا الناس هذا السؤال لوجدنا معظمهم يقولون إن العميل هو من يخدم عدوه، وهذا هو المنطق المقبول عقلاً، فالذين يفرحون لأجل إعلانهم العداء للاستعمار فقط هم من أصحاب النظر القصير، الذي يحرق نفسه وبلده من حيث لا يدري.

ولكي نكون أكثر وضوحاً سنسمي الأشياء بمسمياتها، وقبل ذلك أؤكد أنني لا أرى في فصائل ومكونات الثورة -في الداخل على الأقل- أي جهة تسعى بقصد لخدمة الاستعمار والتضحية بمصلحة سوريا.

ليست الدول الاستعمارية من الغباء بما يدفعها لتعلن عن أسلوب استعمارها، بل تعتمد عادة طرق متنوعة وغير معرفة وغير مباشرة؛ لتستعمر الدول الضعيفة وتستغلها لتحقيق مصالحها بكل شكل ووسيلة، ولذلك قلنا إنها لا تركز على الدخول من الباب (استعمار مباشر)، بل تركز على نقاط ضعف خصومها (النوافذ)؛ لكي تدخل وتستعمر (تحقق مصالحها).

وبالنسبة لنوافذ بيت الثورة السورية أرى أن فيه نوعين من النوافذ: نافذة الفصائل التي تحمل مشروعاً إسلامياً، ونافذة التي لا تحمل مشروعاً إسلامياً.

فعادة تكون الفصائل الإسلامية -وهي عدة- منضبطة في سياستها بضوابط الشريعة الإسلامية، كما يراها شرعيو ومنظرو هذه الفصائل، وتختلف شدة التمسك طبعاً بين تلك الفصائل، ومعلوم أن السياسة تحتمل كثيراً من التصرفات والأحكام المتوقعة وغير المتوقعة، المعلنة وغير المعلنة، بينما يحاول بعض هذه الفصائل تضييق أفق تلك التصرفات.

بل إن بعضهم يجتهد في إيجاد طرق لتحريم تلك السياسات وترك طريق واحد مكشوف ومعلوم للأعداء؛ لكي يسير عليه ذاك الفصيل، ويجبر الأمة كلها على السير عليه، وذاك هو التعصب الذي تراهن دول الاستعمار عليه لخدمة مشاريعها، فإنك وإن أثبت لذلك الشرعي أن ذاك الطريق يسير بالأمة إلى الهلاك، فإنه يقول لك الإجابات التالية التي لا يعرف عقله المتعصب غيرها، وهي: "إن الله تكفل بهذا الدين، فهل أنت منكر لذلك!؟" أو "وما النصر إلا من عند الله"، وسمعت من أحدهم قوله: "لا يهم إن كنا سننتصر أو نباد عن آخرنا، المهم أننا نلتزم بشرع الله".

وطبعاً شرع الله كما يراه أولئك هو شرع فصيلهم فقط، ودين الإسلام عندهم هو دين فصيلهم فقط، ولا يصعب على ذاك المنظر أو الشرعي أن يجد له من يؤيده من عناصر فصيله، وخصوصاً ممن يُقاد بالعاطفة لا العقل، وبالكراهية للأعداء والحقد عليهم فقط، دون حب المسلمين ومصالح الإسلام، وممن يؤمن بالموت في سبيل الله ولا يؤمن بالحياة في سبيل الله، فإن كان ذلك الفصيل لا مشكلة عنده في موت المسلمين وعذابهم لأجل الالتزام بحكم متعصب، فإن الاستعمار أيضاً لا مشكلة عنده في موت المسلمين ولا في عذابهم، وبذلك يحقق ذلك التعصب مصالح الاستعمار، ويكون قد دخل إلينا عبر النافذة.

وأما الفصائل التي لا تحمل المشروع الإسلامي، فالكفاءات العلمية فيها أقل من ذات المشروع الإسلامي، مما يسبب لها ضعفاً في السياسات، ونجدها عادة سطحية التفكير ومكشوفة الأوراق، وينظر عناصرها ومؤيدوها نظرة الإعجاب للقائد الذي يجلب كماً أكبر من المساعدات المادية، سواء كانت عسكرية أو غير عسكرية، وليس مهماً كثيراً في نظرهم إن كانت تلك المساعدات مشروطة أم لا، وعادة في البداية لا تكون تلك المساعدة الأجنبية مشروطة، ولكن وكما هو معلوم ستكون فيما بعد أداة ضغط على الفصيل الذي اعتاد عليها.

مشكلة هذا النوع من التفكير أنه لا ينظر إلى مصلحته أبعد من شهر أو سنة إذا أحسنّا الظن، يريدون المنفعة اليوم ولا يهم إن كانت هذه المنفعة غداً ستجلب ضرراً أكبر.

الخبر الجيد أن كلا النوعين من الفصائل السابق ذكرها لديه في كوادره من هو منتبه لتلك الأمور الواضحة نوعاً ما، وعلى تلك الكوادر نعوّل في عدم الوقوع في الأخطاء على يد الآخرين ممن لديهم فكر التعصب الأعمى أو الاستهتار وقصر النظر.

فإذا كنا نقول إن كل ما سبق ذكره معلوم لدى أشخاص في تلك الفصائل، وهم يحاولون تصحيح الأمور دائماً، فما الهدف من كل هذا الكلام؟

أقول: إنما نريد أن نوجه الرسالة للأحرار في كل مكان، ونسألهم: هل تخوين بعضنا هو الطريق الصحيح؟ وهل هناك فصيل معصوم من الخطأ؟ وهل من سياسة لا تخلو من السلبيات؟

يجب علينا أن نعلم جميعاً أن ما نسعى إليه من إصلاح لأي فصيل يقوم بذلك الإصلاح عقلاء من تلك الفصائل، وأكبر مساعدة نقدمها إنما هي بدعم هؤلاء لا بالطعن بفصيلهم، ولقد رأينا جميعاً ما فعلته جبهة فتح الشام من فك للارتباط بـ"القاعدة" عندما رأوا فيه خيراً، وما كان قولهم: "لا ننفك عن القاعدة؛ لأن ذلك استسلام لدول الكفر"، وكذلك ليس خافياً حذر قادات في فصائل أخرى من تبعات الاعتماد المطلق على الدعم الخارجي.

ومع ما نشهده اليوم من تطورات نثمنها في السعي لتشكيلات التوحد، وبهذا يكون البيت أصبح واحداً وقد كبر وكثرت نوافذه وأبوابه أيضاً، وأي إشكال يصيبه ستكون الكارثة على البيت الواحد الوحيد في الثورة؛ لذلك نعود للتحذير ليس نقضاً لمبدأ التوحد، بل لمبدأ الحرص على شوكة إسلامنا الذي أضحى غريباً محارباً في هذا العالم.

فبعد التصريح الأميركي بأن "قرار جبهة النصرة انفصالها عن تنظيم القاعدة ليس سوى خطوة تكتيكية تفادياً للضربات الأميركية وهي حتى الآن منظمة إرهابية"، فنعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء في العراق 7 يونيو/حزيران 2006 زمن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين يوم استشهاد أميره الشيخ أبو مصعب الزرقاوي، تقبله الله، وتسلّم خليفته أبو حمزة المهاجر، ومن ثم تشكل ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق بإمرة الشيخ أبو عمر البغدادي، من اندماج أكثر من 27 فصيلاً أو تنظيماً أو جيشاً أو جماعة أو كتيبة، من ضمنهم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، بعدما فك ارتباطه بالتنظيم الأم.

ولكن استمر الإعلام بتسميتها بتنظيم القاعدة إلى اليوم، حتى إن الإعلام كان يسمي كل فصائل المقاومة العراقية بتنظيم القاعدة؛ ليتخذ التشويه الإعلامي قوة أكبر وتأثير أكثر على المتابعين، فالكل يعلم ما الصورة التي تنقل عن التنظيم إلى الرأي العام العالمي، ورخص شن لحروب عليه مفتوحة بلا هوادة، وأعلن عن تشكيل مجلس شورى المجاهدين في 15 يناير/كانون الثاني 2006، في بيان نشر على شبكة الإنترنت موقع حنين الجهادي، في بيان تلاه أبو ميسرة العراقي (المتحدث الرسمي لتنظيم القاعدة في العراق)، وكان الغرض المعلن للمجلس: "إدارة الصراع في مواجهة المحتل الأميركي والعملاء من المرتدين".

وفي منتصف أكتوبر/تشرين الأول عام 2006 صدر بيان من قِبل أبو حمزة المهاجر يفيد بحل مجلس شورى المجاهدين، لصالح دولة العراق الإسلامية، التي أعلن أنها بذرة لإعادة تأسيس الخلافة الإسلامية.

وبهذا انفردت الساحة العراقية بجسم واحد (الدولة الإسلامية في العراق) أثخن في الاحتلال الأميركي أيما إثخان، وكان في مقدمة الجماعات المحاربة للاحتلال ظهوراً، ومن أكثرها عملاً في بداية الأمر، ولجنوده صولات وجولات ضد العدو الأميركي، وذلك لوجود الكثير من الجنود المخلصين والساعين لنصرة دينهم، وبعد هذه الشعبية الجارفة لقاعدة الجهاد (الدولة الإسلامية في العراق)، والحب المتبادل بينها وبين جميع أطياف الشعب، وكذلك الحب بينها وبين أكثر الجماعات الجهادية، فبعد سنة ونصف من الجهاد في العراق تقريباً كان النصر قاب قوسين أو أدنى بفضل الله، وكانت قاعدة الجهاد، بقيادة الزرقاوي، هي الرقم الصعب في الساحة!

فلماذا انحرف التنظيم عن أهدافه التي حددها لنفسه في بداية الأمر، وبدأت المخالفات الشرعية تطغى على العمليات التي يتبناها التنظيم؟ وكيف استغلت المخابرات الإيرانية الخلافات بين تنظيم القاعدة وبين الفصائل السنية الأخرى؟

ولماذا أصبحت تقوم أجندة الدولة الإسلامية في العراق والشام على أولوية مواجهة النفوذ المعادي للتوسع الإيراني في المنطقة ومساندة "المشروع الصفوي"، وخصوصاً بعد رحيل القوات الأميركية عن العراق؟ وكيف تم قتل واغتيال القيادات المعروفة وتسلّم قيادات مشبوهة؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.