المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يسرا الحيداوي Headshot

بين واقع وحلم.. أمل!

تم النشر: تم التحديث:

عندما كنا صغاراً كانت أحلامنا كبيرة، أكبر من أعمارنا، منذ الطفولة اعتقدنا أننا سنحققها جميعاً لولا أن القدر أسقطها في زاويته، لا بأس سنبقى نحلم فلعل السماء ترسل لنا سحابة خير تُحيي أحلامنا التي دفنها القدر.

الحلم هذا الآخر مرة يتحقق ومرة يتبخر وبين حلم تحقق وحلم يتبخر تبقى أحلامنا قيد الانتظار، انتظار بطعم الأمل، كثيرة هي أحلامنا التي تتحطم إثر اصطدامها بصخور الواقع، ماذا لو زرعنا تحت صخرة السقوط تلك زهرة.. وزهرة.. وزهرة، فتنبت وتزهر!

أحلامنا تلك بحاجة إلى طموح وإرادة منا؛ لكي نصلها ونحققها، قد تصعب علينا الأمور وقد يصيبنا فيروس اليأس، لكن بالتحدي نقهره ونخرج أنفسنا من دوامة الإحباط والضبابية.

الحلم هذا الآخر الموجود فينا، نحمل تفاصيل وجوده منذ الأزل، تفاصيل واحتمالات تصافح صباحاتنا وكل أمسياتنا، نتخيلها ونثرثر بها، نتمناها ونتمسك بظلها وسرابها ونسعى بكل ما فينا من إرادة لتحقيقها أو حتى الإحساس بها والعيش على جمالها.

أتساءل: أيهما الأقسى.. الحلم أم الواقع؟
أحياناً يصعب الفصل في هذه المسألة، الحلم والواقع، لغز كبير بين الموجود والمنشود، والإنسان هنا يلعب دور ضابط ميزان عليه أن يوازن ويعرف حدود كل منهما وإلا ضاع وكلاهما أشرس من الآخر.

وفي رأيي فإن الحلم أشرس من الواقع، فالواقع معاش، أما الحلم فنصنعه ونضع فيه ما نتمنى من أحداث وتفاصيل نسجناها، نرسم لوحاته الوردية، ونرفع سماءه الزهرية، ونُعبّد طرقه كما نتمنى أن تكون سهلة ويسيرة ومستقيمة طوال الوقت، لا مجال للسقوط فيه.

الحالمون تائهون في فضاء الوهم، يبنون عالمهم بعيداً عن واقعهم، تماماً كما تمنوه، ففي الأحلام يمكننا أن نتحكم في مسار الأمور، يمكننا أن نعيد شريط الزمن ونغيّر مسار الأحداث، نزيل كافة المنغصات التي تشعرنا بالأسى والأحزان، يمكننا أن نصنع الشخصيات ونغرس فيها المشاعر والأحاسيس التي نريد، في الحلم يمكننا أن نطلق بالونات الفرح، وننثر ألوان البهجة في كل مكان، وأن نصنع النهايات كما نريد ونشتهي.

أما الواقع وما أدراك ما الواقع، الواقع أن الحياة يا رفاق ليست كما نشتهي، ولا تسير سفننا كما نتمنى، هناك قوانين وأقدار لا حول ولا قوة لنا فيها، متغيرات ومفاجآت لا يمكن صدّها، الواقع هو اللحظة التي قد تحين وتغيّر مسار حياتنا رأساً على عقب، اللحظة التي إذا مرت لا يمكننا إرجاعها أبداً مهما حاولنا جاهدين، هو الحياة التي نعيشها ولا نملك أي طرف من خيوطها.

لكننا منذ الصغر نتربى على أن هذا الواقع هو قدرنا الذي كتبه الله لنا، وليس لنا سوى الإيمان به، ونحمد الله عليه كما جاء وكما شاء، وأجمل ما في الواقع أن اللحظات القادمة جميعها مجهولة وغامضة، إننا عندما نتقدم إلى الأمام فإننا نتقدم إلى المجهول، لا نعلم ماذا تخبئ لنا الأقدار، ولا يمكننا أن نتنبأ بشيء أبداً فالعلم لله والأقدار كلها بيده.

لذلك أرى أن الحلم أقسى من الواقع بكثير، ففي الحلم قد نصنع أحلاماً لا تتحقق وتصبح صدمتنا بها كبيرة، وقد نعيش العمر بطوله داخل أحلامنا بعيدين كل البعد عن حقيقة واقعنا، وقد نقضي العمر كله في مطاردة تحقيق تلك الأحلام ولا ننجح، ونخسر خلال ذلك الكثير من جمال واقعنا.

فلنعِش حياتنا وكأنها رحلة علينا الاستمتاع بها بكل تفاصيلها، ولكن دون النسيان بأن هناك حياة أخرى محطة أخيرة تنتظرنا خلف هذه الحياة الفانية، مؤمنين بالأقدار خيرها وشرها، ساعين في خلق كل ما يسعدنا بالحياة في رضا الله -عز وجل- طبعاً، حتى لا نكون قد خسرنا مرتين وفي كلتا الرحلتين، إحداهما راحلة، والأخرى باقية حيث الخلود.
صدقت الأقدار، وكذبت الأحلام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.