المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف المُلا Headshot

سلاح النفط في الصراع السعودي الإيراني .. سيقف بجانب من؟

تم النشر: تم التحديث:

ترقص المنطقة على طبول حروب مجنونة وتحالفات دولية وأخرى إقليمية متنوعة، وتقف الدول العربية - وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية - في وجه الغطرسة الإيرانية، وفي ظل التراجع العالمي لأسعار النفط العالمية ومع دخول الاتفاق النووي الإيراني مع الدولة العظمى حيز التنفيذ.

وما سينتج عنه من رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، يظل التساؤل عن دور النفط في هذا الصراع مثار اهتمام كبير، فبجانب من سيقف النفط في هذه المرة؟

بنظرة عامة في اقتصاد البلدين نجد تربع اقتصاد المملكة العربية السعودية كأقوى اقتصاديات المنطقة، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي ٧٥٢ مليار دولار في ٢٠١٤، ويأتي بعده مباشرة الاقتصاد الإيراني في المرتبة الثانية بناتج محلي إجمالي بلغ ٤٠٤ مليارات دولار عن نفس السنة.

ومع الكثافة البشرية التي بلغت ٧٧ مليون نسمة في إيران مقابل ٣٠ مليون نسمة في السعودية، يصبح نصيب الفرد في السعودية أربع أضعاف ونصف نصيب المواطن الإيراني من الناتج المحلي الإجمالي.

العقوبات الاقتصادية التي فرضها المجتمع الدولي على إيران في ٢٠١٢م والتي منعت شركات النفط العالمية من شراء أو نقل النفط أو الغاز الإيراني أدت إلى تراجعٍ حادٍ في صادرات النفط الايراني، فانحدرت من ٢.٨ مليون برميل في اليوم في يوليو ٢٠١١ إلى ما دون المليون برميل في اليوم في يوليو ٢٠١٢م. نصف هذا التراجع كان بسبب مقاطعة الشركات الأوروبية، والنصف الثاني كان نتيجة تراجع الطلب من الدول الآسيوية، خاصة الصين "الزبون" الأقوى لإيران.

رفع العقوبات المقرر خلال الأيام القادمة سيعطي فرصة لعودة صادرات النفط الإيراني إلى مستويات ما قبل ٢٠١٢، ولكن هذه العملية لن تكون بالسرعة التي يتوقعها الكثيرون، فالعقوبات أدت إلى ركود عجلة الإنتاج والتي ستحتاج الى ٨ - ١٢ شهراً لتصل لذورة طاقتها (ما قبل ٢٠١٢م)

ولذلك فإن التأثير الإيراني في سوق النفط العالمية سيكون تدريجياً ولكن سلبياً في نفس الوقت، حيث سيؤدي إلى ضخ قرابة ٦٠٠ ألف إلى مليون برميل في اليوم، ليزيد "تخمة" السوق، وينتزع ١٤٪ من قيمة البرميل، محققاً مكاسب للاقتصاد الإيراني تصل لقرابة ١٥ مليار دولار في السنة الأولى حسب تقرير البنك الدولي الذي نشره يوليو الماضي.

كما يفيد البنك بأن إيران تمتلك ١٠٧ مليارات دولار من الأصول المجمّدة وبمجرد رفع العقوبات فستمتلك إيران القدرة على التصرف بهذه الأصول أيضاً.

أما المخزونات الإيرانية من النفط الخام فإنها لا تتجاوز ٤٠٠ - ٥٠٠ ألف برميل فقط، وبالتالي لو فكرت إيران في ضخها في السوق مباشرة فإنها لن تستمر أكثر من ثلاث أشهر وتأثيرها على الأسعار سيكون سلبياً حتماً ولكنه محدود وقصير.

في الجانب الآخر من الخليج العربي، كانت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية في أفضل حالاتها من حيث عائدات النفط التي تشكل ٩٠٪ من الإيرادات الحكومية، حيث بلغت صادراتها أكثر من ٧.١ مليون برميل في اليوم (قبل صيف ٢٠١٤)، محققة وفرة مالية ضخمة أدت لارتفاع الاحتياط النقدي لها إلى ٧٤٢ مليار دولار في ٢٠١٤، قبل أن تتراجع أسعار النفط وتزداد تكلفة المواجهات السعودية - الإيرانية في اليمن وسوريا والعراق، وتكلفة دعم النظام في مصر.

وكل ذلك استنزف في سنة واحدة ما يقارب ١٠٠ مليار من هذا الاحتياطي النقدي، ولأول مرة في السنوات الست الأخير تعاني المملكة من عجز في ميزانية الحكومة حيث بلغ العجز سنة ٢٠١5م ٩٨ مليار دولار، فيما بدأ الحديث عن فرض الضرائب على السلع والمنتجات، ورفع سعر الوقود، وغيرها من الإجراءات التي هي بلاشك ردة فعل لانخفاض الإيرادات وارتفاع المصروفات.

ساحة أخرى للمواجهة بين العملاقين النفطيين هي ساحة منظمة أوبك، التي لم تعرف الهدوء في الفترة الماضية ويبدو أنها لن تعرفه خلال الأيام القادمة، فإيران تتمنى أن تخفض بقية أعضاء أوبك إنتاجها ليفسح ذلك المجال لنفطها وللأسعار العالمية بالصعود مجدداً، في حين ترفض دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، خفض حصتها ما لم تخفض الدول غير الأعضاء في أوبك إنتاجها وحصتها من السوق أيضاً.

وتفسير ذلك يرجع إلى أن تأثير الأسعار المنخفضة على الاقتصاد الإيراني أكبر بكثير من تأثيره على الاقتصاد السعودي، بالإضافة للسبب الآخر المهم وهو رغبة السعودية في إبعاد "النفط الصخري" الأمريكي من المنافسة، ويبدو أن كلا الهدفين أكبر أهمية من تحقيق عوائد نفطية مرتفعة خلال السنوات القادمة.

إذا فإيران تدخل المرحلة القادمة من وضع اقتصادي يمكن أن يقال عنه (أسوأ ما يمكن) إلى وضع اقتصادي (سيئ نسبياً)، في حين أن المملكة ستدخل المرحلة من وضع اقتصادي جيد إلى مرحلة قد يراها الكثيرون مرحلة "تقشف وشد الحزام"، وبطبيعة الحال يبدو أن المملكة لاتزال تمتلك الكثير من المساحة التقشفية التي من الممكن أن تزيد من فترة صمودها، في حين أن إيران مثقلة جداً من تقشف العقوبات الدولية في السنوات العجاف، ويبقى الرهان لأي مدى سيستطيع الطرفان الصمود في تحدي "كسر العظام".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.