المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف معضور Headshot

عندما يخدُم الافتراضي الواقع !

تم النشر: تم التحديث:

تثبت لنا فضاءات التواصل الاجتماعي سنة بعد سنة وتحديدا بالمغرب، أنها عبارة عن أرضية خصبة للمرافعة والتضامن ومساعدة فئة من المواطنين المنتمين إلى القاع الاجتماعي، هي كذلك بمثابة منبر من لا منبر، فضاءات تلعب دوراً مهماً في خروج مجموعة من المبادرات الإنسانية والاجتماعية من الافتراض إلى الواقع، مبادرات أظهرت نجاعتها أفضل بكثير من دور بعض المؤسسات الرسمية والحكومية التي من المفترض أن تتحرك بشكل من الأشكال التي يحددها لها القانون المنظم لها.

الحديث هنا عن تضامن افتراضي رقمي حدث مؤخراً تعريفاً بحالة "ميّ زهرة"، السيدة العجوز التي ظهرت صورها على فيسبوك وتويتر مباشرة بعد عرض قصتها مصورة في أحد البرامج الاجتماعية التي بثت على القناة الثانية المغربية، "ميّ زهرة" تعتبر نزيلة بأحد مراكز الرعاية الاجتماعية لفائدة المسنين بمدينة فاس، التي تأثر بحالتها العديد من المشاهدين كان قد وضعها قبل شهور في المركز ابنها الوحيد تحت ضغط زوجته وعائلتها الثرية حيث تخلها عنها بطريقة حقيرة وتركها تكتوي بنار حرقة الفراق، لكن وبعد أيام قليلة تراجع الابن عن قراره واهتدى إلى ضرورة إخراجها من المركز.

واقعة أخرى هذه المرة حكاية الفتاة فوزية المعاقة ذهنياً وجسدياً الشابة التي اغتصبت من طرف أحد أقاربها قبل شهور ونتج عنه حمل ثم ولادة، حيث لعب فيسبوك في الواقعة دوراً مهماً من خلال نشر رواده مجموعة صور للضحية وتعميمها عبر صفحاتهم وحساباتهم الشخصية، الصور التي تعاطف مع الكثير من المبحرين على النت، في نفس الوقت قام بعضهم بتوجيه نداء تضامن وجمع المال لفائدة الشابة فوزية عبر موقع إلكتروني تم إنشاؤه بهدف تحصيل المال قصد شراء شقة تحفظ كرامتها، النداء الذي لقي تجاوب الآلاف من المغاربة حيث تم بالفعل تحصيل مبلغ يفوق 20 مليون سنتيم في ظرف زمني قياسي، وكانت المفاجأة سارة حين قررت إحدى شركات العقار منح فوزية وأسرتها شقة بالمجان، وبادرت إحدى شركات التجهيز والأثاث مبادرة لتأثيث الشقة.

مثل هذه المبادرات تكسر في كل مرة على الأقل نظرة أولئك الذين يُصورون فيسبوك في صورة فضاء للترفيه وتضييع الوقت ونشر الصور و"السيلفيات" والدردشة فقط، ويذهب البعض إلى تشبيهه بعيادة نفسية يعرف من خلالها تضاريس الخريطة النفسية لبعضنا البعض عبر ما ينشر من آراء وأحاسيس وردود الأفعال، وكذلك نشر صور لوجبات الغذاء والعشاء في المطاعم الفخمة وداخل المراكز التجارية الكبرى وغيرها من الأماكن التي تستحق توثيق زيارتها.

بل في حقيقة الأمر أنه تحول إلى فضاء تنشر فيه يومياً آلاف الصور والفيديوهات التي توثق تجاوزات المسؤولين داخل الفضاءات الخدمات العمومية والمرافق الإدارية التابعة للدولة، وأيضا سلوكيات المواطنين التي تسيء إلى الفضاء العام المشترك وتشوّه صورة المدينة، صور وفيديوهات يلتقطها ما بات يعرف بالمواطن الرقمي الذي يتواجد في قلب الحدث فيقوم بتوثيق تفاصيله بهاتفه المحمول المرتبط بالإنترنت ليحصل على مادة إخبارية تنتجها إعلام بديل لا تلقى في الكثير من الأحيان نصيبها من البث عبر قنوات وإذاعات الإعلام الرسمي، في حين تسهم بشكل كبير في التأثير على مجموعة من الوقائع والإحداث في بلادنا، وقد تسهم في تغيير أو تطبيق قوانين أو سياسات معنية.

شكّل حدث اجتماع رئيس الحكومة المغربية قبل شهور مع بعض النشطاء على فيسبوك وتويتر الذين قيل إنهم مؤثرين بين صفحاته، بغض النظر عن فعاليتهم وأشكال تأثيرهم افتراضياً وواقعياً، يكون بذلك قد أقرّ كمسؤول حكومي بأن تلك الفضاءات الافتراضية تساهم بشكل كبير في التأثير على مجموعة من القرارات السياسية والاجتماعية وأصبحت بذلك شريكاً فعالاً في خلق وتشكيل رأي عام مغربي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.