المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف بلكحل Headshot

فض رابعة.. زفرة الربيع الأخيرة

تم النشر: تم التحديث:

قناصة على الأسطح، مدرعات مليئة بالجنود المدججين بالأسلحة من كل نوع، جرافات تدهس خياماً مليئة بالجثث والمصابين، وحرائق في كل مكان تلتهم أناساً أحياء وأمواتاً، كمّ مريع من الدمار والدماء لا يتفوق عليه إلا كمّ الحقد الذي يعتمل في صدور مرتكبيه، هكذا انتهى اعتصام ميدان رابعة العدوية، وهكذا كانت الرسالة التي أراد نظام الحكم الجديد إيصالها إلى جميع معارضيه، سويعات قليلة كانت كافية للإجهاز على أكبر تجمع معارض لنظام السيسي، والقضاء معه على آخر آمال التحول الديمقراطي في أرض الكنانة.

مع بدء الهجوم لفض رابعة، بدا جلياً أن الأمر ليس مجرد تدخل أمني لتفريق تجمع معارض، واتضح أن انتقاماً يحدث على الأرض من ثورة يناير/كانون الثاني، ومن كل من شارك بها، وفي طليعتهم أنصار الإخوان ومن تضامن معهم من دعاة الدولة المدنية، وبدا كذلك أن الثورة المضادة التي أعادت تدوير النظام القديم، قد استفادت من أخطاء الماضي، فعامل الخوف من ردة فعل المجتمع الدولي لم يعد مطروحاً، فلو كان للعالم ضمير ما ترك نظام الأسد يذبح السوريين بدم بارد، أضف إلى ذلك تراجع الزخم الشعبي الداعم للتغيير تحت وطأة تآمر بقايا النظام والدولة العميقة مع أنظمة إقليمية رأت أن التغيير قد يعصف بعروشها، فشهدت سنوات ما بعد سقوط النظام حملات إعلامية نشرت الكثير من الشائعات حول محاولات بيع الأرض والتآمر على الوطن، ورافق ذلك استغلال رأس المال الفاسد في التأثير على الاقتصاد وعرقلته، فظهرت الكثير من الأزمات المفتعلة، التي سببت غضباً شعبياً تم استغلاله في الانقلاب على الديمقراطية الوليدة أولاً، ثم استغلاله في الفض الدموي لتجمع رابعة فيما بعد.

ولأن الجريمة لم تكن سهلة، فقد سار في ركابها الكثيرون تبريراً وتمويلاً ودعماً، طيف واسع من اليساريين ورجال الدين، ممن لم تكن شعبيتهم تسعفهم أمام مد الثورة الهادر، كما سار في ركابها كثير من الشباب ممن ظنوا أن صدر العسكر قد يتسع لأحلامهم بعد سقوط الإخوان، ثم أدركوا فيما بعد خطأهم، ولم يكن لهذا الجنون أن يصير مقبولاً حتى مع كل تلك العوامل، لولا حملة التحريض الإعلامي التي سبقت الجريمة وواكبتها ثم تلتها بتقديم المبررات، التي لم تكن كافية لغسل كم الدماء والأشلاء التي طغت على المشهد.

رافق هذا كله دعم سخي من دول خليجية، رأت أن انفلات شعب الشقيقة الكبرى من قيود الديكتاتورية، وهامش الحرية المتزايد هناك، قد يغري شعوبها هي أيضاً في الحذو حذوه، وقد يهدد عروشها القائمة أساساً على الطاعة العمياء لولي الأمر، متكئة في ذلك إلى فتاوى دينية تقدس ولي الأمر، ولأن للحرية بريقها الجذاب فقد تعصف بكل تلك الفتاوى، وهذا ما لا تريد تلك الممالك القادمة من العصور الوسطى حصوله.

ولأن لمصر خصوصيتها الرمزية في الوجدان العربي، بصفتها الرائدة حتى في الحراك ضد الاستبداد، فقد أراد منفذو المجزرة أن يكون الفض رسالة للجميع عبر العالم العربي، رسالة لكل من يحلم بالحرية على امتداد هذا السجن الكبير، مفادها أن يد القمع لم تعد مغلولة بل أصبحت أكثر حريةً في الفتك بمعارضيها، بل وتقلص هامش الحرية أكثر مما سبق، وأصبح السجن عقوبة نادرة استعاضت عنها قوى القمع بالقتل الميداني والتصفية دون محاكمة.

ما تلا الانقلاب وبعده فض رابعة، كان زلزالاً بكل المقاييس، فقد تقوت بعده الثورة المضادة في ليبيا وتونس واليمن، وحدثت بعده انتكاسات في المكاسب الديمقراطية في أكثر من بلد عربي، وكأن من كان يطلق الرصاص على المعتصمين في رابعة، كان أيضاً يطلق الرصاص على أحلام الربيع في كل الدول العربية، لقد أجهضوا الحلم في بدايته.

وعلى الرغم من أن اشتداد سطوة الأنظمة الديكتاتورية وإن بدت طاغية، فهي تحمل في دواخلها أسباب سقوطها، وكما تعلمت الثورات المضادة من أخطائها، تعلم الثوار أيضاً من أخطائهم، والحراك القادم لن يكون بالضرورة متسامحاً كسابقيه، ولن يعول كثيراً على ضمير العالم، لقد قتلوا في كل حر إنسانيته مع مشهد الميدان الدامي، ومع الميادين الكثيرة التي ملأت أكثر من مكان في العالم العربي، والتي امتلأت بالدم والألم، نفس الضحية ونفس الجاني وإن تغيرت الأسماء.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.