المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف بلكحل Headshot

أحلام على الضفة الأخرى

تم النشر: تم التحديث:

في قارب لم تتعدَّ حمولته العشرين راكباً على أقصى تقدير، تكدسنا نحن الـ60 مهاجراً سرياً، لم يكن يتفوق على خوفنا سوى أحلامنا التي كنا نأمل تحقيقها على الضفة الأخرى، بضعة كيلومترات تفصلنا عن أوروبا، ونحن نرفع أقدامنا عن اليابسة ونضعها في القارب، لم نشعر بأرض الوطن تشدنا إليها، لم يبادلنا الوطن قَطّ الحب سوى باللكمات، وأعطانا كل يوم ألف سبب لمخاصمته إلى الأبد.

رغم كل هذا، لم يحمل قلب أي منا حقداً تجاه البلد الذي كسر أحلامنا، وبقي في داخلنا أمل خافت في أن تتحسن أوضاع بلدنا؛ حتى نتمكن من العودة إليه حين تنمو أجنحتنا ونصير قادرين على الطيران.

بدأت رحلتنا منذ أيام حين التقينا المهرِّب، الذي أشار إلينا بالاختباء في غابة قريبة من الشاطئ، بقينا هناك نحو 3 أيام، لا نتناول إلا القليل من الطعام، ونقضي الليل في الحديث عن أحلامنا، والتي أصبحت تبدو في المتناول، خصوصاً أن أضواء القارة العجوز كانت تلوح في الجهة الأخرى من الأطلسي، وبدت كأنها ترقب وصولنا.

مرت الليالي الثلاث ثقيلة جداً، حتى استبدت بنا الشكوك، حول ما إذا كنا قد وقعنا ضحايا عملية نصب، خاصة أن المهرب قد أخذ منا نصف مبلغ الرحلة، لم تندثر مخاوفنا إلا عندما أرسل إلينا يأمرنا بتجهيز أنفسنا، سنركب البحر بعد ساعتين.

لم يعد الوالد قادراً على بلع الطعام واستبدَّ به الألم، كان من المفترض أن يُجري عملية لاستئصال سرطان معدة منذ أشهر، فاق مبلغ العملية كل ما نملكه أضعافاً، حتى محاولات الاقتراض من العائلة باءت بالفشل، ليس بسبب عدم رغبتهم في تقديم يد العون، بقدر ما هي بسبب عدم قدرتهم على توفير هذا المبلغ.

التجئنا إلى المستشفيات العمومية، والتي كانت لا تسمن ولا تغني عن جوع، لم يكن لديها لا الإمكانات ولا الرغبة في مساعدة شخص مُعدَم سيتحول عما قريب إلى رقم في لائحة طويلة من ضحايا الفقر والتهميش التي تبدو من دون نهاية.

لفظ الوالد أنفاسه الأخيرة وفي الحلق غصة سببها ضيق الحيلة، اضطرت الوالدة بعدها إلى العمل في المنازل لإعالتنا، كنت في بداية مراهقتي وخلفي إخوة صغار، لم أفهم قطُّ لماذا تعاملنا الأقدار بهذه القسوة، ولماذا لم يقم الوطن بالوقوف بجانبنا رغم ما قرأناه منذ الصغر عن كون الوطن أباً للجميع، ما هذا الأب الذي يكيل بمكيالين؟!

كان المغتربون -وجلهم ذوو أصول فقيرة- يعودون كل صيف بسيارات وملابس جيدة، كان تحسُّن أوضاعهم المادية بادياً عليهم، وكنت أنا كباقي أبناء جيلي نستمتع بحكاياتهم عن أوروبا وعن كيفية وصولهم إليها، وكلما سمعت أكثر زادت رغبتي في الهجرة أكثر، أياً كان الثمن الذي سأدفعه، خصوصاً أن ما يأخذه المهربون مقابل النقل للضفة الأخرى لم يكن مبلغاً كبيراً، نظراً إلى قرب المسافة الكبير بيننا وبين أوروبا.

انطلق القارب الخشبي يحملنا نحن وأحلامنا إلى الضفة المقابلة، كنا شباباً من مختلف جهات الوطن، فرَّقتنا الجغرافيا ووحدتنا الأحلام، كلما تقدم بنا القارب في عرض البحر أصبحت أضواء القارة العجوز أكثر سطوعاً، وزاد سطوع الأمل في دواخلنا.

بعد 4 ساعات، أعلن قائد القارب أن علينا النزول إلى الماء؛ لأنه لم يكن يستطيع بلوغ الشاطئ؛ خوفاً من أن يتم رصده. نزلنا إلى الماء بعد أن أدينا بقية المبلغ، لم تكن المياه عميقة، تمكنا من اجتيازها سيراً حتى وصلنا لبر الأمان.

رغم ذلك، لم تسر الأمور على ما يرام؛ فقد تم رصدنا من قِبل خفر السواحل واعتقالنا، ثم إيداعنا في أحد المخيمات المخصصة لهذا الغرض، حصلنا هناك على معاملة جيدة وسكن ومأكل لائقين، وكنا أوفر حظاً من غيرنا الذين التهمهم الأطلسي.

بعد شهور، تمكنت من التواصل مع إحدى الجمعيات، والتي وفرت لي عملاً في خدمة نزلاء إحدى دور العجزة، ورغم كون راتبي صغيراً فإني استفدت من خلال عملي في تسوية وضعيتي القانونية، ثم انتقلت بعدها لعمل آخر مكنني من تحويل بعض المبالغ إلى والدتي، واستطعت أخيراً أن أشتري شقة وإن كانت صغيرة لها ولإخوتي، فلم تعد الوالدة ملزمة بالعمل وأصبح بإمكان أشقائي إتمام دراستهم.

كان كل شيء يسير على ما يرام، باستثناء عدم القدرة على العودة للوطن والاستقرار به؛ بسبب عدم رغبتي في التفريط بعملي في الغربة، والذي لم أكن سأجد له بديلاً في بلدي.

بعد سنوات من موت أبي، عادت الغصة نفسها لتسكن حلقي، جرى الكثير من الماء بالنهر في تلك الفترة، لكن كل هذا لم يكن كافياً للوصول إلى السكينة النفسية رغم كل هذه السنين، ورغم قسوة الوطن الذي لم أعد أسكنه ما زال هو يسكنني.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.