المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف بلكحل Headshot

حرب الخليج القادمة

تم النشر: تم التحديث:

بالقدر الذي يدعو به الوضع في الخليج للتفاؤل يدعو أيضاً للتشاؤم، فنسبة قيام نزاع مسلح داخل البيت الخليجي تبدو قائمة بنفس نسبة إمكانية حل الأزمة، ولعل الكثيرين يعتقدون أن نشوب حرب في نهاية المطاف أمر وارد، فما العوامل التي تدعم القول بإمكانية المواجهة العسكرية إلى السطح؟ وهل ستكون مجرد حرب محلية خليجية، لا يعدو الدعم الخارجي فيها عن الحرب غير المباشرة؟ أم أنها ستتحول إلى حرب إقليمية بين تكتلات نراها تتشكل الآن على الأرض؟ وما إمكانية تحولها لحرب عالمية، خصوصاً في ظل الأوضاع المتوترة التي يمر بها العالم؟ وهل سيخرج منها أحد منتصراً؟

من الواضح أن الحرب الإعلامية التي تواكب حصار قطر من قِبل السعودية والإمارات والبحرين، يسير في ركابها أيضاً حرب سياسية داخل الدولة الأكبر التي تقود محاولات إخضاع قطر، وتتجلى هذه الحرب في قيام الملك سلمان بالتخلص من ولي عهده الأمير محمد بن نايف الذي كان يمثل صوت العقل داخل الرياض، وتصعيد ابنه الأمير محمد بن سلمان ليكون ولياً للعهد، والذي يمثل التوجه القريب من سياسات أبوظبي وحليفهما في القاهرة، والذي يتقن فن التهور غير المحسوب، ربما بسبب حداثة سِنّه أو ضحالة تجربته السياسية، وهذا قد يكون العامل الأهم في زيادة احتمال نشوب حرب في الخليج.

كما أن التلويح من قِبل دول الحصار بنفاد صبرها من قطر، قد يكون مدعاةً أخرى للقلق، خصوصاً مع لائحة المطالب التي قدمتها لقطر، والتي كان أصحابها حريصين على صياغتها بطريقة تجعل قبولها صعباً؛ رغبةً في سماع إجابة سلبية أو قبولاً بطعم الاستسلام، وهذا ما لم تقبله قطر.

الأمر الآخر الذي ينذر بالتصعيد هو التحشيد العسكري؛ فقد حاولت الدوحة تسريع صفقات تسلُّح كانت قد أبرمتها سابقاً مع الولايات المتحدة، كما قامت بإقامة قاعدة عسكرية تركية على أراضيها في دلالة واضحة لا تخطئها العين، وفي الجانب الآخر قام الجيش المصري بنشر جنود له في قاعدة بحرينية؛ ليكونوا في مقدمة أي نزاع عسكري؛ نظراً إلى انخفاض تكلفتهم، وغياب مساءلة القادة العسكريين حول الخسائر البشرية التي قد تلحق بالمجندين.

اندلاع حرب بين الدول الخليجية الثلاث وقطر، لن يكون بالضرورة محلياً، حيث إن الأزمة تم إخراجها منذ الوهلة الأولى من عباءتها الخليجية، عندما تم استجلاب مصر إلى مربعها، ورغم أن الموقف المصري يبدو أقرب إلى التابع منه للطرف في الأزمة لأسباب عدة؛ أهمها "الرز" كما يتندر المصريون، كما أن استدعاء قطر للدعم التركي أعطى بُعداً إقليمياً للأزمة، وينذر بأن أي مواجهة عسكرية إذا ما حدثت فستكون إقليمية وبشكل مباشر، وقد تدخل إيران على خط الأزمة لدعم قطر بشكل غير مباشر، ليس حباً في قطر، ولكن كرهاً في السعودية، ولن يثني طهران عن هذا سوى حجم تجارتها مع أبوظبي، والذي قد تتخلى عنه إذا ما أدركت أن الفائدة السياسية من الوقوف ضد السعودية أكبر من الفائدة الاقتصادية من الوقوف مع الإمارات حليفة الرياض.

ورغم كل هذا، ليس من المرجح أن تتحول هذه الحرب إلى صراع عالمي مباشر؛ بسبب موقف إدارة ترامب المتقلب، والذي رغم كل المليارات التي حاولت بها الرياض شراء دعمه، ما زال يقف في منطقة رمادية تحمل تفسيرات عديدة لصالح هذا الطرف أو ذاك، أضف إلى هذا موقف أوروبا المحايد وحتى المتعاطف مع قطر كما هو حال ألمانيا. في أسوأ الأحوال وفي ظل ما تمر به المنطقة، قد تتحول هذه الحرب التي لا يتمناها إلا مجنون إلى نزاع غير مباشر فوق أراضي الخليج.

حفلة الجنون هذه والتي يواكبها تشكل تحالفات على أرض الواقع وانهيار أخرى، تحالفات كانت بالأمس القريب من المستحيل تشكلها، كما هو حال التحالف غير المعلن بين تركيا وإيران رغم العداوة المعلنة بينهما في سوريا، وهذا درس سياسي بليغ لساسة الحصار الذين بادروا بالتصعيد المباشر مع قطر، إيران وتركيا ورغم صراعهما في سوريا حافظتا على علاقات جيدة، من باب إبقاء أعدائك على مسافة قريبة في ظل عالم يتغير كل يوم.

رغم كل هذا التعنت من جانب دول الحصار، والرد السلبي المتوقع والمفهوم من الدوحة، ما زالت هناك أصوات عاقلة في كلا الجانبين، استفادت مما يحصل على أرض الشرق الأوسط من حروب، لتدرك أن الحرب صعبة الحسم، ونتائجها مدمرة، وميزان القوى المتقارب لن يعطي أحداً أفضلية في الميدان، وحرب اليمن شاهد حي على هذا، فرغم كل التفوق العسكري السعودي ومن تحالف معه، لا تزال المعركة مع الحوثيين مستمرة؛ بل وأصبح حسمها أكثر تعقيداً في ظل انقسام التحالف العربي، وممارسات أبوظبي المزعزعة للاستقرار في المناطق المحرَّرة.

صوت العقل يجب أن يتم الإنصات إليه بعناية، قبل حصول الأسوأ، فلا العنتريات الزائفة سترمم ما قد يهدمه قرار متسرع، ولا شراء تأييد الدول الكبرى بالمليارات سيجعل الحروب تتحول إلى نزهة سريعة، وحدها الضمائر اليقظة تحافظ على الأوطان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.