المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف بلكحل Headshot

الطائفية في خدمة المصالح

تم النشر: تم التحديث:

الحرب الطائفية التي تسود المنطقة العربية، التي تحولَّت لحفلة جنون كبيرة تحرق في طريقها الأخضر واليابس، وتطرح الكثيرَ من الأسئلة من قبيل ماهية هذه الحرب، هل هي بالفعل حرب طائفية؟ أم أنها مجرد حرب مصالح مغلفة بالطائفية؟ وكيف ستنتهي، خصوصاً في ظل تعقيدات الخريطة الطائفية بالمنطقة؟

لا تغفل العين على امتداد خارطة الصراع الطائفي السني-الشيعي في المنطقة حجم الاستقطاب بين دول الإقليم، خصوصاً الدول التي تحمل تاريخياً مِشعل هذا المذهب أو ذاك، كما هو حال إيران والسعودية والدول الداعمة لهما، وهذا الاستقطاب ما كان ليكون بهذه القوة لولا حجم الدعاية والدعاية المضادة، وكم الشيطنة لهذه الطائفة أو تلك، لكن الغريب في الأمر هو ما يطفو على السطح في خضم هذا الصراع، والنموذج اليمني كمثال، حيث يبدو الأمر للوهلة الأولى كدعم إيراني للحوثيين من باب المذهب الشيعي، لكن الحقيقة أن هذا الدعم كان من باب المندب، الذي كان يعني سقوطه في يد الحوثيين سيطرة إيران على واحد من أهم شرايين التجارة العالمية، ويمكن إسقاط الأمر نفسه على العراق الغني بموارد الطاقة، وسوريا التي تعتبر شريان الحياة للأخطبوط الإيراني وذراعه في لبنان (حزب الله).

في المقابل السعودية وحلفاؤها الذين دخلوا على سبيل المثال في مواجهة مباشرة مع الحوثيين في اليمن، رافعة لواء الدفاع عن الحكومة الشرعية "السنية"، هل كان سيكون الأمر مختلفاً لو أن اليمن لم يكن جغرافياً بجوار السعودية؟ كما أن الدعم العسكري السعودي لجماعات مسلحة تقاتل نظام الأسد الديكتاتوري الذي يبدو واضحاً للعيان، في مقابل ضعف دعمها للجهود الإنسانية لإغاثة اللاجئين السوريين، الذين يشكل السنة غالبيتهم الساحقة، مما يطرح تساؤلات حول حقيقة صدق هذا التحالف في دعم السنة، ويجعل التشكيك في نوايا هذا التدخل مقبولاً.

إيران سبق أن تدخلت عبر أذرعها الميليشياوية لقمع احتجاجات داخل البيت الشيعي نفسه، كما حدث مع أتباع المرجع الصرخي في العراق، الذين تعرضوا للتقتيل في الشوارع، بسبب المطالبة بفك الارتباط مع إيران، كما تدخلت بعض دول الخليج بشكل سلبي في دول عربية لا وجود للشيعة فيها، كمصر وليبيا وحتّى تونس، هذه الأمثلة التي تعد غيضاً من فيض، والتي تشير بوضوح لوجود رائحة للمصالح تختبئ وراء ستار الطائفية، التي لا تعدو كونها مجرد وسيلة للتجييش، ولضمان وقود للحرب من شباب هذه الطائفة أو تلك، عبر بث خطاب الدفاع عن المذهب، الذي يداعب المشاعر، ويبث النعرات، ويخلق شروخاً من العدم بين أبناء الوطن الواحد، من أجل المصالح يتم إيقاظ الفتنة الطائفية وسَوق آلاف الشباب الموتورين إلى المحرقة.

ستنتهي الحرب يوماً ما، لكن نتائجها ستكون كارثية، على المستوى القريب والبعيد، فحجم الشروخ المجتمعية في الدولة الواحدة سيكون عصياً على اللملمة، ولأن المنتصر سيفرض رؤيته وقت الحرب، فسيفرضها أيضاً وقت السلم، وستسود عدالة المنتصر، طوائف كاملة سيتم اضطهادها تحت مسميات مختلفة، الكارثة الحقيقية هي أن من سيدفع الثمن بعد انتهاء الحرب، هم أنفسهم الذين دفعوه وقت الحرب، البسطاء الذين دفعهم تجار الفتاوى، وشياطين الإعلام من هذا الطرف أو ذاك للمحرقة.

في وسط هذا الهرج يجب ألا ننسى شريحة مهمة من الشباب، العابر للطائفية والأيديولوجيات الضيقة، الذي خرج بصدق بحثاً عن الحرية ومستقبل أفضل، كما حال الثورة المصرية والسورية، والذي تم إجهاض أحلامه، كما حدث بعد الانقلاب العسكري بمصر، أو كما حدث عندما تدخلت إيران لصالح بشار ضد الثورة السورية بحجج طائفية، هؤلاء الشباب الذين ورغم كل الصعاب ما زلنا نعول عليهم في التغيير، وفي السير بنا نحو الدولة المدنية، التي يتساوى مواطنوها بغض النظر عن انتماءاتهم ومذاهبهم، إلى ذلك الحين علينا أن نتحمل دول الطوائف التي تحكمنا، أو أن نتحرك لتغيير الواقع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.