المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يوسف بلكحل Headshot

قطر و ثمن الربيع

تم النشر: تم التحديث:

أغلقوا قناة الجزيرة وأخواتها، اقطعوا العلاقات مع إيران، سلّموا المعارضين، أغلقوا القاعدة العسكرية التركية، ومطالب أخرى جاءت أقرب للأوامر منها إلى المطالب، بصيغة أقرب لأوامر بلطجي يوجهها لأبناء حيّه الضعفاء، ورغم أن لائحة المطالب هذه احتوت أموراً استجدت بعد الحصار الثلاثي لقطر كالقاعدة التركية، وأموراً تقوم بها دول من التي تحاصر قطر، كالعلاقة مع إيران، كما هو حال الإمارات، فلا أحد من صانعي القرار في دول الحصار ألزم نفسَه بالنظر ملياً في مهاترات هذه اللائحة.

توقفوا عن دعم جماعات مسلحة وتسليم المطلوبين مع لائحة بأسماء من دعمتهم قطر، هذا المطلب/الأمر مختلف عن غيره، وربما يكون الأخطر، فمنذ بدء الربيع العربي اصطفت قطر بجانب مطالب الشعوب ودعمتها، ولم تدعم أي تنظيم مسلح، كما أن القادة والناشطين المتواجدين على أرضها ليسوا سوى حركة حماس أو حركات مدنية وصحفيين، كانوا ممن شاركوا أو دعموا الربيع العربي في بلدانهم، ولعل مطالبتها بالتوقف عن دعم الجماعات المسلحة وتسليم المطلوبين، هي دعوة للتوقف عن الانحياز للشعوب، والاصطفاف كما باقي دول الحصار بجانب الثورات المضادة، التي ينطبق عليها دعم الجماعات المسلحة والتدخل في شؤون الدول، كما فعلت في اليمن وليبيا وسوريا ومصر، وما رافق ذلك التدخل من جرائم ضد الإنسانية.

قطر التي يوجد بها سقف حرية أعلى من باقي دول الخليج، ونسيجها الاجتماعي أكثر تماسكاً، وسياستها المنفتحة كانت أكثر تحصيناً من قلاقل رياح التغيير، بل وجدت في هذا فرصةً سانحةً من أجل النهوض بالعالم العربي، المثقل بالجهل والقمع والتبعية، عكس السعودية والإمارات، اللتين أدركتا منذ بدء الربيع العربي أن نظامهما الثيوقراطي القادم من القرون الوسطى لا يمكن أن يصمد أمام رياح التغيير، وأن شعبيهما لن يلبثا طويلاً قبل البدء بالتململ، وزاد الحراك في البحرين أصوات أجراس التنبيه علواً؛ لهذا تدخلت الدولتان بشكل فاضح في دعم بقايا أنظمة سابقة كما هو الحال في ليبيا، وحتى في إعادة تدوير أنظمة كما هو الحال في مصر وغيرها، وما رافق ذلك من حملات قمع وجرائم ضد الإنسانية.

ولأن الإجراءات العقابية ضد قطر كان المقصود بها معاقبة قطر على مواقفها السياسية، فلم تغفل اللائحة عن الإشارة لتركيا التي تتماهى سياستها مع سياسة الدوحة، وتعد حليفاً قوياً لها، في رسالة واضحة لأنقرة، مفادها أن أنقرة قد تكون الوجهة الجديدة للعقوبات.

قطر راهنت على رغبة شعوب الربيع العربي في الحرية، وتحملت ثمن فشل الثورات العربية، بسبب وحشية القمع غير المسبوق الذي جاءت به الثورات المضادة المدعومة من الرياض وأبوظبي، اللتين جندتا جيشاً من اللجان الإلكترونية، يعمل جنباً إلى جنب مع عناصر الدولة العميقة، على تزييف الوعي وتغيير الحقائق، ونجح بالفعل في استمالة جمهور مهم على مواقع التواصل الاجتماعي، تارةً بالتخويف من الفوضى وتارةً بتغيير الحقائق ونشر الأكاذيب.
في ظل واقع عربي مغاير، كان من المفترض أن تتم مكافأة قطر لا معاقبتها، لكن تأتي رياح الواقع بما لا تشتهيه سفن العصر الذي نعيشه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.