المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 يسرى المصرى Headshot

إشكالية الولاء داخل الحركات والكيانات

تم النشر: تم التحديث:

بدايةً لا شك أن أيَّ كيان أو حركة أو جماعة هي مجموعة أفراد، يعتريها كغيرها الخطأ والعوار، لكن طريقة معالجة هذا الخطأ أو العوار هي مَن تحدد مصير تلك الحركات، أو الكيانات أو الجماعات.

وخلال السطور التالية، سنعمل على تسليط الضوء على بعض تلك العلل والآفات، والطريقة المثلى للتخلص منها.

تقديم الولاء على الخبرة والمعرفة

ربما تكون أولى الآفات التي تضرب أي كيان أو حركة في مقتل، هي تقديم أهل الولاء على الخبرة والمعرفة، ويسميها البعض بتقديم أهل الثقة على أهل الكفاءة.

في هذا الإطار فإن الولاء يُعرف على أنه: نوع من الإخلاص والوفاء المطلق، سواء كان هذا الوفاء لشخصٍ أو لفكرٍ، دون الأخذ في الاعتبار أي شيء آخر، وهنا يكمن الخطر الأكبر الذي قد ينسف أي تقدم مؤسسي، أو تطور فكري، أو حراك تربوي، أو حركي، حيث إن تصدُّر أهل الجهل في التخصص، وتقدمهم على أصحاب العلم والمعرفة هو خيانة لله ورسوله وصالح المؤمنين.

فالأصل في مثل تلك الأمور، هو حسن التوظيف وفق الطاقة والمهارة المناسبة، ولنا في تعامل النبي الكريم مع أصحابه الأسوة والقدوة، فحين سمع الصحابي الجليل "عبد الله بن زيد" الأذان في منامه، وأخبر به النبي الأكرم لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: "أذِّن، أذِّن أنت"، ولكن وبمنتهى الفهم قال: (علِّمه بلالاً، فإنه أندى منك صوتاً). [أخرجه الطحاوي في معاني الآثار].

وهنا جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الفهم ومعرفة الطاقات، ثم حسن التوظيف. لذلك فالولاء فقط دون علم جرم خطير في حق الأفكار والمهام الجسام!!

وفي نفس الوقت غير مقبول التبرير بدعوى: "عدم وجود غيره"، فالقائد الناجح هو الذي يدرك ملكات أفراده، ويوظفها في تحقيق انتشار فكرته ورقيها وتمدد وعلو راياتها بكافة السبل.

ومن هنا يجب الإشارة إلى أن الولاء الحقيقي الذي ننشده لكل العاملين في أي كيان هو السعي للتطوير، والتحديث، والتغيير، والتقدم بمن يتبعهم من أنصار ومريدين إلى مراتب، حسب الفهم البنَّاء، والعمل الدؤوب، والإنجاز المثمر، والإخلاص المتفاني في أداء الرسالة، والانتقال بالفكرة من مواطن الصمت الروتيني إلى الجهر بالحق والإبداع والتنوير.

لقد حوَّل "الولاء" و"تقديم أهل الثقة عن أهل الفهم والمعرفة" الحركات والكيانات لمجموعة مقار وأبنية وعقول يابسة، وأصبح الجمود الفكري هو السمت العام لهم، فلا حديث عن تطوير أو تحديث، بل حرب ضروس تقام في وجه كل مصلح أو داعٍ للتغيير، بدعوى أن هذه ثوابت وأصول، ولا أدري كم عدد الثوابت والأصول التي تُشهَر في وجوه الدعاة والشباب هذه الأيام!

العلاج الفعال في ستة أمور

ولما كان الأصل في رصد العلل والآفات هو العمل على التخلص منها ومعالجتها بالشكل اللائق، فإنني أستعرض هنا مجموعة طرق للعلاج من آفة: "تقديم أهل الولاء على أهل المعرفة":

أولاً: المنتج المعرفي

من المعروف أن تعميق أي معنى عن آخر، وتأكيد مصطلح عن غيره، يتم داخل الكيانات والحركات المنتظمة، عن طريق المناهج والنشرات، فإن الطبيعي أن يكون تعديل كل تلك الأطروحات الفكرية المتعلقة بالكيان أو الحركة عن طريق تلك النشرات.

وعلى هذا فإن تنقية المناهج وإرسال رسائل ونشرات تتماشى مع الوضع المنشود هو أمر غاية في الفهم، ويحسب لإدارة الكيانات. أما التقليدية، والبعد عن الواقع، وعدم ترقية العقول، والإصرار على الوقوف بلا تأثير- فهذا لا يجوز ولا يقبل.

ثاثياً: النظرة للوائح

وهذه النقطة -تحديداً- هي من أهم معوقات أي انطلاقة فكرية أو سياسية لأي كيان أو فصيل، فالبعض حوَّل اللوائح لقرآن يوضع فوق السيوف، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وكأننا في صراع حق وباطل، أو صراع إداري بين موظف ومدير، لا.. فالأمر أكبر من ذلك، فالتاريخ يؤكد أن الاندثار والزوال هو نهاية المطاف لكل شركة أو حركة لا تتجدد أو تبدع في أطروحتها، وتحدث وتغير لوائحها وفق المناخ والزمن المناسب والمتغير على مدار الساعة، لتعلن للجميع أن التزكية وصك الثقة زمان قد ولى.

فكم أضاعت الثقة العمياء -من غير معرفةٍ- مؤسسات وحركات وكيانات! والتاريخ خير شاهد، وكم كانت المعرفة والتخصص طوق نجاة! والتاريخ شاهد أيضاً.

ثالثاً: العقل أولاً

إن العقل مناط التكليف، والمدح الرباني كان لأصحاب العقول الراجحة "أولي الألباب". فعظمة الأمر أن الشخص العاقل الذي يقدم عقله على قلبه في تصرفاته تكون مآلاتُ أمرِه مبشرةً، أو على الأقل غير مهلكة ومورّطة.

والفهم ثمرة اتِّزان العقل. والشخصُ الفاهم المتخصص صاحب العلم والفهم هو إنسان واعٍ، يدرك الأمور ويقدم صالح الناس، ولا يجازف أو يسعى لمكسب رخيص على حساب أفراده، ويقيناً لا يجازف بهم على حسب عاطفة قلبه وميوله وشعوره، فهذه أمور لا مكان لها في تاريخ القادة الكبار، وكلما كان القلب بوصلة التحكم في الكيانات والحركات كانت الويلات والنتائج قاسية، وكلما كان العقل كانت الأضرار بسيطة، وثمارها أكبر.

رابعاً: معرفة الطاقات وحسن توظيفها

والأصل في ذلك هو الإلمام بقدرات الصف الذي يتم توجيهه، والاستعانة به في اليسر والعسر، والمنشط والمكره. وهو طائع ومنفذ لكل توجيهات الإدارة، لكن الخطورة أن تجهل القيادة أو الإدارة قدرات أفرادها، فيحدث شرخ في حسن التوظيف، وبالتبعية تصبح النتيجة غير مريحة للجميع، بل مخيبة للآمال.

خامساً: تغييرات في القيادات

يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "الإخلاص": "إن القيادات داخل الكيانات والحركات ليسوا مخلدين، وإن التغيير مهم، وعليهم ترك مقاعدهم لغيرهم، فهي سنن ثابتة. أمّا أن يقول البعض: لا أخلع قميصاً ألبسني اللهُ إياه، فهذا ليس من الحكمة في شيء".

والمعنى واضح، فبقاء الفرد سنوات في نفس المكان والمركز القيادي -ولا تغيير أو تعديل في المناطق والمراكز- من أهم عوامل التعطيل، وتقديم الولاء فقط -كشرط العمل داخل الكيانات والحركات- يصيب البناء بالترهل القيادي وغياب الرؤية، لذلك فمن أهم تجاوز مناطق العطل والروتين هو اختيار قيادات جديدة بفترات متزامنة.

سادساً: المحاسبة

لعل هذا الأمر -خاصةً- من عوامل الجدل داخل كل الكيانات والحركات؛ بل إنه من المستبعدات، ولم تألفه أغلب الكيانات الدعوية والتيارات الإسلامية والجماعات العاملة على الساحة، ولذلك وصلوا إلى ما هم فيه الآن من تفكك وضعف، وغياب للعمل الصواب، والفهم السليم، وانشقاقات وتشرذمات، وتدرَّج الأمر للتخوين بينهم في كل الأمور! وهذا واقع مؤلم ولا يبشر بخير، لذلك فالمحاسبة مهمة في استمرار الكيانات في أداء دورها وتقدمها وريادتها.

وختاماً أخي الكريم، إننا -جميعاً- نجتهد، كلٌّ بطاقته، فالبعض بعمله، والآخر بقراره. والكثير بأقلامهم ناصحين ومذكِّرين، طامحين وطامعين في وضعٍ قويٍّ متماسك لكل الحركات والكيانات، مهما كان توجهها الفكري، لكن -إجمالاً- الكل مستفيد من تطوير هذه الحركات لأنفسها، والكل خاسر من الروتين والرتابة وتقديم الولاء قبل المعرفة، والقلب قبل العقل، والسمع والطاعة قبل العقل والبصيرة!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.