المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 يسرى المصرى Headshot

رابعة.. نظرات بين العقل القلب

تم النشر: تم التحديث:

إن الإنسان في حياته يتعرض لتجارب ومِحن يكتسب خبرات، وأحياناً يخرج صفر اليدين، لكن في كل الأحوال تكون له نظرة في الحياة ونظرات في مواقفها وأحداثها.
ورابعة موقف وحدث وتاريخ لن ينسى؛ لذلك كانت هذه لنظرات:

النظرة الأولى:

لا شك أن الجهر بقول الحق في وجه سلطانٍ جائرٍ هو من أعظم الأعمال تقرباً إلى الله، فكما ورد "بأن سيد الشهداء حمزة ورجلٌ قام لولي ظالمٍ فقال له اتقِ الله فقتله"، ولقول الحق مظاهر عديدة جماعية كانت أو فردية لكنها في المجمل ترجمة لحالة مسير نحو تحقيق العدل ورد المظالم، وإنهاء الانقسام، والبحث عن حل مناسب يكون باباً من أبواب الضمان المجتمعي لمجتمع يسوده الحق والعدل والحرية، والجميع أمام القانون سواء.

ولما كان الانقلاب الدموي في مصر حالة من حالات البغي والظلم، فالوقوف ضده درجة مهمة في فهم المرء الذي يدرك أنه جرم في حق الوطن والمواطن، وأن الانقلابات لا تأتي بخير أبداً، مهما زيّن سحرة فرعون بريقه ومميزاته.

إن الحق أبلج والباطل لجلج، لكن الفراسة والفهم يقتضيان أموراً عدة في سبيل تحقيق الحق ومجابهة الباطل.

إن الحجة القوية والبراهين الكبيرة والمسير الصادق والعقول النيرة، والأخذ بأسباب الحياة الكريمة كل هذه من مقومات نجاح أي موقف سياسياً كان أو حياتياً، وإن رابعة حلقة مهمة في بناء العقول والفهم السديد دون تجمل أو مبالغة.

النظرة الثانية:
إن رابعة ستظل برونقها وطهر أفرادها علامة في تاريخ النضال ضد الظلم والتجبر والحكم العسكري، وكم ضربت بطولات صمود في نظر أصحابها؟ ولربما لم يكن هناك خيار أمامهم في حينه، وفي المجمل هي وجهات نظر.
إن الحركة الإسلامية تعرضت لاختبارات كبيرة ومجازر أكبر على مدار تاريخها منذ خمسينات القرن الماضي، وحتى الآن، وكل هذا لم يفت في عضدها أو يزلزل كيانها بالاندثار "هكذا يقول قادتها"، وبرغم كل هذه الدماء والمظالم فإن دوام الحال من المحال، وحتماً سينتصر الحق وأهله "هكذا يقولون".

إن رابعة كانت وستظل صرخات في وجه كل مدّعي للديمقراطية وكل كَذوب بالحرية وكل مَن أعمتهم الخصومة السياسية عن الوقوف في وجه الديكتاتورية العسكرية.

النظرة الثالثة:
إن الدماء التي سالت عزيزة على ربها، فصيانة الأعراض والحرمات مقدم عن قدسية الكعبة المشرفة، وعلى هذا فإن العقل هنا مقدم على العاطفة، فلقد كان من الممكن تفادي كل هذه الدماء بشكل أو بآخر بعيداً عن الشعور بقدسية القضية؛ فلا مقدس إلا القرآن والسنة، ولو كان الأمر بالدماء وعددها في سبيل تحقيق الغايات السياسية، فتلك سذاجة وجرم في حق أفراد لا ذنب لهم إلا أنهم وثقوا في قيادة لم ترَ المشهد جيداً.

وهذا ليس قدحاً بقدر ما هو مراجعة لا بد منها، وقناعتي أن الكثير من هؤلاء الكبار راجعوا أنفسهم مرات ومرات، لكن ربما يبتلى المرء في حياته بمن يزين له عمله بتغيير موقفه.

النظرة الرابعة:

إن الانقلاب الدموي كان واضحاً منذ البداية وكنا غير ملمّين كحركة إسلامية بمآلات الأمور بل سأقول بأننا تعرضنا لحالة من التخدير على مدار عام، سواء من داخلنا وعن دون قصد أو من خارجنا وبدهاء شديد، وفي الحالتين لقد وقعنا في الفخ مرة أخرى بعد فخ قرار الترشح الذي أعتبره إعلان الانقلاب على الحركة الإسلامية، لكن في أجواء سرية شديدة ولربما الواقع أكد ذلك.

إن الوقوف أمام الجبابرة أمر غاية في الأهمية، لكنه له معايير يوم أن تقل معاييره أو يظن البعض أن هناك بقايا نبل وأخلاق في الظالمين فتلك أكبر سذاجة، خصوصاً إن كان قد سبقها مجازر عدة، وهي رسالة بأنهم لن يتراجعوا مهما كان الثمن، لكن الرسالة قوبلت بشيء من عدم الاهتمام وبطمع شديد بأنه لن تتكرر تلك المجازر، وهذا قمة السخف وجهل شديد بدروس الماضي والحاضر وحسن ظن في غير محلّه.

النظرة الخامسة:
إن العاطفة التي لا تبنى عليها صيانة الحقوق والحرمات يجب أن توضع تحت النعال فلا وقت للميوعة، أو أنصاف الحلول أو الارتجالية أو ضيق الأفق وعدم اتخاذ القرار المناسب الذي يصون العرض.

بدا من الخطاب العاطفي الذي يعتمد على مغازلة القلوب والعقول بأجر الشهداء ونعيم الجنة، ومكانة الشهيد عند ربه وكأننا استنفذنا كل السبل التي تحقق النعيم في الدنيا فليس أمامنا إلا أن نرسل دفعات للآخرة في سبيل قضية سياسية في المقام الأول، وخلاف ذلك أراد البعض له أن يشرعنه حتى يتآلف أنصاره ومريدوه، ثم مع الأسف لاذ الكثير منهم بالفرار خارج البلاد منعماً في فنادق تركيا ولندن وأصبحنا هنا الضحية ما بين شهيد ومعتقل ومطارد، وما زالت مجزرة رابعة حتى الآن وبأشكال أخرى تتم.

النظرة السادسة:
إن العقل مناط التكليف، وإن التفكير فرض على كل صاحب رسالة ولا مكان للعاطفة في وضع دموي من كافة الاتجاهات، ولا قيمة للخطب الرنانة في مشهد كله صرخات وشجون وأحزان، ولا مقام لمزيد من التحفيز المزيف "عايزين 10 شهداء عند طيبة مول" فلا أحد يملك صك الوعد بالقبول والشهادة، وأخشى والله على كل مَن تصدر ووجه وأمر أن يكون له حظ من الجرم في دماء المصريين بشكل أو بآخر، ولا أحد يستطيع الجزم بأن المسار كان صواباً فما زال في القلب وجع وفي اللسان غصة.

النظرة السابعة:
إن القيادة مهما كان فهمها هم بشر يصيبون ويخطئون؛ لكن الحركة الإسلامية وقيادتها مع الأسف الشديد أوردت أفرادها المهالك وويلات الأمور وأنا هنا لا أتحامل بقدر ما أتحدث عن أن الصف تم تغييبه عمداً على مدار عام، وكان الانقلاب هو الطامة غير المتوقعة إلا من بعض أصحاب البصيرة الذين كنا نسخر منهم ونتهمهم بأنهم أصحاب هواجس.

إن كل سيادة اليوم معنية بمراجعة مواقفها وكلماتها وأفكارها وهل كانت صواباً أم خطأ؟ وهل كان يستحق التصدر؟ أم أننا ما زلنا لدينا مشكلات في الداخل أوصلت من هم دون العقلية القيادية الصحيحة إلى مراتب التصدر والأمر.

إن الجميع سيسأل وسيقف بين يدي ربه يسأله عن حياته ومسارها وما أعظم أن يلقى الإنسان ربه وهو رافع للحق راية تصون الحقوق والحرمات.

النظرة الثامنة:
إن رابعة ورجالها ونساءها وأطفالها وشيوخها في رأيي أفضل القلوب صدقاً مع الله فهم أصحاب قضية عادلة، وأصحاب فكرة نقية لكن النقاء ليس دوماً وحده يكفي في حسم الصراعات السياسية، بل يعطل ويؤخر، فالأمور والمعارك السياسية لها معايير أخرى خصوصاً في مجتمعنا المصري.

إنني وبشكل صريح أدعو الجميع لمراجعة مواقفهم شاملة تجربة العام وحتى الآن، فإن الطريق يزداد ظلمةً وليس كل مسير به ظلمة معناه أن صاحبه على صواب، فلربما لم يأخذ بسبل الإضاءة الحديثة التي تنير طريقه وحياته واستسلم لحزنه، خصوصاً إذا كان يغذي فهم أنصاره باللطمية الكربلائية وهذا ليس من الفهم في شيء.

النظرة التاسعة:
يا قادة الحركة الإسلامية في الخارج نقّوا صفوفكم وعقولكم ولا تتبعوا الهوى فتضلوا عن مسير الحق ومسار الفهم، وكفى نزاعاً وتنازعاً وخلافاً واختلافاً، فنحن قد أرهقتنا وأنهكتنا الانقسامات، فإما تقدموا ما يجعل شهداء رابعة ومعتقليها ومطارديها في شيء من الهدوء والراحة النسبي، أو فارحلوا غير مأسوف عليكم، ولعمري فإن قطرة دم رضيع في رابعة أعظم منكم قدراً ومقاماً، ولمعاناة أم تزور ابنها في معتقله أشرف عند الله من مؤتمراتكم وندواتكم مهما أقسمتم من أن المقصد "كان طيباً"، ولدمعة طفل اشتاق إلى أبيه المطارد أعظم من كل فعالياتكم العرجاء.

النظرة العاشرة:
يا شهداء رابعة الكرام، يا أفضل الناس وخيرهم وأكرمهم وأصدقهم مع ربهم قلباً وروحاً وعقلاً وحباً، سامحونا فوالله لقد قصرنا معكم في دنياكم وبعد مماتكم وخذلناكم.

يا معتقلي رابعة العزة سامحونا، لكن الأمور جميعاً تجري على عين العلي القدير وهو وحده المفرج عن الكروب، فلا تتطلعوا لغير السماء فأنتم أفضل الناس بعد الشهداء.

يا مطاردي "رابعة".. الصبر والثبات واللجوء إلى الله فحتماً ستزول الهموم فهي كالغيوم لن تدوم، سلام على رابعة وشهدائها ومعتقليها ومطارديها في كل زمان ومكان، وأسأل الله أن ينتقم من الطواغيت، وسامح الله من أخطأوا المسير.